وقيل: الزيادة: هي أن تضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك - وذلك كله من جملة ما امتن الله به على المحسنين من الخيرات والبركات والرضوان في الجنان - وفوق ذلك كله وأفضله النظر إلى وجهه الكريم - وهذه هي الزيادة - وهي أعظم من كل ما أعطوه في الجنة - بل إن النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة يفوق كل عطاء وإحسان؛ بل إنه خير من كل خير - فمامن خير ولا بر ولا فضل ولا جزاء إلا كان دون النظر إلى وجه الله في الجنة - والنظر إلى نور وجهه وإشراقه الساطع - لا جرم ينير القلوب، ويثير فيها الحبور والبهجة، وينشر فيها التحنان والاستئناس والرضى والإحساس بكامل السعادة العلوية - لا جرم أن هذه الزيادة خير ما استكن في العالمين من خيرات - وخير ما يطرأ على قلب البشر من وجوه السعادة والبركة والسرور - جعلنا الله من أهل الحسنى والزيادة.
قوله: {ولا يزهق وجوههم قتر ولا ذلة} هؤلاء المؤمنون الذين أعد الله لهم الجنة وزيادة ينجون من كل بلية أو مهانة أو كرب يوم القيامة مما يصيب الظالمين في المحشر؛ فهم لا يغشى وجوههم ما يغشى وجوه الكافرين والعصاة من قتام وسواد في عرصات المحشر حيث الاغتمام والهوان والشدة لفرط ما يصيبهم في هذا اليوم العصيب من رعب وتحسر وإياس، وكذلك لا تغشى وجوههم {ذلة} وهي المذلة والهوان والصغار.
قوله: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} هؤلاء المحسنون الذين سبق وصفهم هم أهل الجنة اللابثون فيها أبدا، الماكثون يتنعمون في خيرات لا يتحولون عنها ولا هم عنها مبعدون 35.
قوله تعالى: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما هم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} بعد أن بين حال المؤمنين المحسنين وما أعده لهم من الحسنى زيادة؛ فإنه يبين في مقابلة ذلك حال المشركين والعصاة الذين اجترحوا السيئات وعملوا المعاصي والموبقات ووقعوا في الضلال والشرك؛ فهؤلاء {جزاء سيئة بمثلها} {جزاء} مرفوع بالابتداء - {بمثلها} خبر المبتدأ - والباء زائدة - والتقدير: وجزاء سيئة سيئ مثلها 36.
والمراد بالمثلية هنا: أن جزاء المشركين والعصاة من العذاب مماثل لما قدموه من الذنوب والمعاصي دون زيادة؛ فهم بذلك غير مظلومين - وذلك هو العدل المطلق من الله في مجازاته للعصاة بمثل ما يستحقونه من العذاب - وفضله البالغ في مجازاة المؤمنين المحسنين زيادة مما يستحقون.
قوله: {وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم} أي تغشى وجوههم علائم الخزي والهوان والافتضاح؛ إذ ليس لهم حينئذ من حافظ يمنعهم من العذاب، ولا واق يقيهم مما هو واقع بهم يوم القيامة.
قوله: {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} {قطعا} ، بفتح الطاء: فهي جمع قطعة، و {مظلما} منصوب على الحال من الليل، فيكون التقدير: أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته - وهذه قراءة عامة قراء الأمصار - وقرئ {قطعا} بإسكان الطاء فتكون {مظلما} صفة لقوله: {قطعا} 37 وهذا إخبار عما يغشى وجوه الكافرين والقيامة من السواد والقتر والكلوح كأنما ألبست قطعا من سواد الليل المظلم.