أما تأويل الغيض والازدياد فموضع خلاف، والراجح أن ذلك متعلق بمدة الولادة؛ فقد قيل: غيض الأرحام أن تكون مدة الولادة دون تسعة أشهر، أما ازدياد الأرحام؛ فهو أن تكون مدة الولادة أكثر من تسعة أشهر إلى عشرة أو أزيد عليها إلى سنتين عند الإمام أبي حنيفة - وإلى أربع سنين عند الإمام الشافعي، وإلى خمس عند الإمام مالك.
وقيل: غيض الأرحام معناه السقط - وما يزداد، أي بولادته تماما، وقيل غير ذلك.
قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} كل شيء من حدث أو واقعة أو نحوهما، إنما يكون بقدر واحد لا يكون دونه ولا يجاوزه؛ فهو مقدور لا يحتمل النقص أو الزيادة ولا التغيير أو التبديل إلا أن يشاء الله - سواء في ذلك ما يمكثه الولد في بطن أمه إلى خروجه، وما كتب الله له من الرزق والأجل، كل ذلك بقدر.
قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} الله يعلم ما غاب عن خلقه وما شهدوه - وذلك تنبيه من الله على انفراده بعلم ما استتر أو خفي عن الناس - وهو سبحانه وتعالى محيط ببواطن الأمور مما لا يعلمه أحد سواه - وهو سبحانه {الكبير} الذي ما من شيء إلا هو دونه - والمراد بالكبر في حق الله ما كان في قدرته البالغة وعلمه المحيط الكامل وإرادته المطلقة التي لا تمنع منها حدث أو فعل - وهو سبحانه {المتعال} أو المتعالي في الأصل - وقد حذفت الياء للتخفيف - وهو من العلو - ومعناه المستعلي على كل شيء والمنزه عن صفات المخلوقين 15.
قوله تعالى: {سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ 10 لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} {مَّنْ} ، في محل رفع مبتدأ - {سواء} خبر مقدم، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل - أي مستو 16 - و {أَسَرَّ الْقَوْلَ} من الإسرار وهو حديث المرء نفسه - وأما الجهر به فهو التحدث به وإظهار - والمراد: أن الله يستوي عنده الذي يستسر لنفسه فلا يظهر عليه أحدا من الناس، أو الذي يجهر به فيراه أو يشهده الناس - ولذلك فإن السر والعلانية عند الله سواء؛ إذ لا فرق بينهما في حق الله؛ فهو سبحانه عالم بالأسرار وما خفي أو استكن في الضمائر وخلف الأستار.
قوله: {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} المستخفي يعني المتواري المستتر في ظلمة الليل - والسارب في النهار، ومعناه الظاهر بالنهار في طريقه، أو الذهب على وجهه في الأرض - سرب في الأرض سروبا؛ إذ ذهب - وسرب الماء سروبا؛ إذا جرى فهو سارب - وسرب تسمية بالمصدر - والسرب أيضا الجماعة من النساء والبقر والشاء والوحش، والجمع أسراب - والسرب بمعنى النفس - يقال: فلان آمن في سربه؛ أي في نفسه - والسرب، بفتحتين: بيت في الأرض 17 - والمعنى المراد: أنه يستوي عند الله ما لو كان الإنسان مستخفيا في الظلمات أو كان ظاهرا ماشيا في الطرقات؛ فالله جلت قدرته محيط عمله بكل شيء سواء فيه الظاهر والخفي - قال ابن عباس في تأويل ذلك - سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة.