فهرس الكتاب
ما، في محل رفع بالابتداء - والخبر (أعجلك) يعني أي شيء أعجلك؟ 39 والاستفهام للإنكار - وبيان ذلك: أن موسى قد استجاب لأمر ربه فسارع مبادرا إلى الطور من أجل المناجاة وتلقي التوراة عن رب العالمين، وقد استخلف أخاه هارون لقيادة بني إسرائيل حال غيابه عنهم - ولهذا قال سبحانه: (وما أعجلك عن قومك يا موسى) يعني أي شيء عجّل بك وحملك على أن تسبق السبعين الذين اخترتهم لميقات الله على الطور - وذلك أن موسى مضى معهم إلى الطور على الموعد المضروب ثم تقدمهم مسرعا لفرط شوقه للقاء ربه والاستماع لكلامه - وقد أمرهم أن يتبعوه.
(قال هم أولاء على أثري) أي ها هم خلفي لاحقون بي وليس بيني وبينهم غير مسافة قصيرة - ثم بين ما دعاة إلى هذا الاستعجال وهو قوله: (وعجلت إليك رب لترضى) أي جئت مسرعا إلى الموعد لتزداد عني رضا.
قوله: {قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري} أي ابتلينا قومك من بعدك واختبرناهم وأوقعناهم في محنة بعد انطلاقك من بينهم (وأضلهم السامري) (السامري) نسبة إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة في بلاد الشام؛ فقد دعاهم هذا إلى عبادة العجل فأجابوه.
(فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) الأسف: أشد الحزن - وأسف عليه، أي غضب 40.
قوله: (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) (وعدا) منصوب على المصدر - وقيل: منصوب على أنه مفعول ثان للفعل (يعدكم) 41.
والمعنى: أما وعدكم الله خير الدنيا والآخرة؛ إذ نصركم الله وأظهركم على عدوكم بإهلاكه في البحر غرقا، ومنّ عليكم بأياديه الكثيرة في التيه، من المن والسلوى والغمام وإنزال التوراة عليكم وما فيها من نور وحكمة ومما يصير بكم إلى الفوز بالجنة (أفطال عليكم العهد) الاستفهام للتوبيخ؛ أي أفنسيتم لطول العهد - والعهد هنا الزمان - والمراد مفارقته إياهم لدى ذهابه إلى الطور للمناجاة وتلقي التوراة، أو طالت مدة انتظارهم لما وعدهم الله فنسوا.
قوله: (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) الغضب، معناه السخط وإرادة الانتقام 42 والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سببا لنزول الغضب من الله بكم (فأخلفتم موعدي) فقد وعدوه أن يقيموا على طاعة الله حتى عودته من الميثاق وألا يفرطوا في غيابه لكنهم أخلفوه ما وعدوه باتخاذهم العجل.
قوله: (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا) بكسر الميم، وهو مصدر ملك يملك ملكا، أي ما اخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا - ولو ملكنا أمرنا لما أخلفنا موعدك، ولكنا غلبنا من جهة السامري وكيده لنا - أو ما أخلفنا موعدك عن قدرتنا واختيارنا (ولكن حملنا أوزارا من زينة القوم) أي حملنا أثقالا من حلي القبط، كانوا قد استعاروها منهم ليلة الخروج من مصر محتجين بأن لهم غدا عيدا - وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل - وسموها أوزارا؛ لأنها كانت آثاما - إذ لم يحل لهم أخذها ولم تحل لهم الغنائم.