قوله: {ريح فيها عذاب أليم} {ريح} ، بدل من"ما"أو خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هو ريح - وجملة {فيها عذاب أليم} صفة لريح - ثم وصف تلك الريح التي تحمل العذاب الماحق {تدمر كل شيء بأمر ربها} .
قوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها} أي تهلك كل شيء من الناس والحيوان والنبات بإذن الله وتقديره - فما يكون من عقاب ولا عذاب ولا جزاء إلا بإرادة الله القادر.
قوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} دمرت عليهم الريح العاتية تدميرا فجعلتهم صرعى وأمالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما 16 فباتوا بعد ذلك أثرا بعد عين، فأصبحوا لا يرى منهم أحد إلا مساكنهم الخاوية، فبادوا جميعا ولم تبق منهم باقية - من أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه الكراهية خشية أن يكون ذلك عذابا لا رحمة - وكان يقول:"مايؤمنني أن يكون فيه عذاب - قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب وقالوا هذا عارض ممطرنا"وروى مسلم في صحيحه عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال:"اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به - وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به".
قوله: {كذلك نجزي القوم المجرمين} الكاف في اسم الإشارة في موضع نصب صفة لمصدر محذوف، أي مثل هذا العقاب يعاقب الله الظالمين العتاة الذين فسقوا عن أمر الله 17.
26 - (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)
قوله تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون 26 ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون 27 فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} .
{إن} تحتمل وجهين - أحدهما: أنها زائدة - وتقدير الكلام: ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه - وثانيهما: أنهما: أنها بمعنى ما، النافية - أي ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من المال والسعة وقوة الأبدان وطول الأعمار - وهذا المعنى أظهر.
قوله: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة} يعني أنعمنا عليهم بأسباب التأمل والاعتبار والنظر فما آمنوا ولا اتعظوا - فقد وهبناهم السمع ليستمعوا الذكر والموعظة - ووهبناهم الأبصار ليروا آيات الله في الآفاق وفي الحياة ليستيقنوا - ووهبناهم العقول ليتفكروا ويتدبروا ويوقنوا أن الله حق - وهبناهم ذلك كله ليؤمنوا ويعتبروا ويزدجروا لكنهم صرفوا كل هذه القوى في طلب اللذات والشهوات فما أغنى عنهم ما وهبناهم من عذاب الله شيئا {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} وذلك تعليل لعدم استفادتهم من القوى المذكورة، أي لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله.
قوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون} كانوا يسخرون من العذاب الذي توعدهم به نبيهم فنزل بهم ما كانوا به، وهو العذاب، وفي ذلك تخويف لهؤلاء المشركين أن يصيبهم مثل ما أصاب قوم عاد من العذاب.