ذلك إعلان أكبر تقرره هذه الآية، وهو إعلان صادع مجلجل يخاطب الله فيه الإنسان من خلال كلمات سريعة قصيرة تحمل في مضمونها أعظم مدلول - وهو أن الله جلّت قدرته يملك كل شيء بما في ذلك السماوات ومن فيهن والأرض ومن عليها من خلائق وأحياء وما بين الأرض والسماء من كائنات وأشياء - فالله سبحانه هو المالك الأكبر الذي يهون دونه كل مالك في المالكين، وهو الغني الأكبر الذي يصغر دونه كل غنيّ - ذلك مدلول أساسي عظيم تحمله الآية ليعلم العبد أن الله هو القادر وأنه الغني بإطلاق وأنه مالك الكون كلّه أو الوجود كله.
هذا الإله الخالص الكبير المبدع جدير بالعبادة كلها وهو سبحانه قمين بأن يتّقيه الخلق جميعا وأن يوجلوا منه وجلا شديدا - وبذلك فقد وصّى الله هذه الأمة والأمم الخالية أن يتّقوه وحده من غير شريك - ولئن قارفوا شيئا من كفر بعد هذه التوصية وذاك الإعلان فإنه سبحانه لا يعبأ بهم جميعا؛ لأنه غني عنهم فهو مالكهم ومالك غيرهم من سموات وأرض وغير ذلك من خلائق - فمن يملك مثل هذا الملك الهائل المطلق قمين ألا يعبأ بالناس كافة، سواء آمنوا أو ارتكسوا في الكفر؛ ولذلك قال سبحانه: (وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا) .
وهذا المعني في عظمته وجلاله يقتضي التكرار في غير مرة إحقاقا لتصوّر ديني أساسي ليظل مركوزا في صميم الذهن والقلب من الإنسان فقال سبحانه للمرة الثالثة:
(ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) وكيلا منصوب على التمييز ومعناه حافظا مدبّرا.
وقوله: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين) ذلك نذير من الله للناس يظل يتهددهم بالزوال والتدمير ليستخلف من بعدهم آخرين خيرا منهم - وذلك مثل قوله تعالى في موضع آخر (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) وقوله: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد) فإذا لم يفئ الناس إلى منهج الله عقيدة وأخلاقا وتصورا وتشريعا، فإن قرارا من الله بالزوال والتدمير يوشك أن يحيق بهم، فإذا هم أثر بعد عين أو أنهم أخبار وأقاصيص تتناقلها الكتب والقراطيس - فليحذر الناس الذين يخالفون عن أمر الله في منهجه للحياة أن تنزل بساحتهم قوارع التبديد المدمّر الذي يأتي على الحياة والأوضاع والحضارات جميعا فيذرها قاعا صفصفا بعد أن كانت تموج بالحركة والحياة - والله سبحانه قادر على مثل هذا التبديد والتدمير، وهو سبحانه لا يعز عليه شيء أراد له أن يكون؛ فإنه لا معقّب لحكمه ولا رادّ لقضائه.
قوله: (من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا) - ذلك خطاب لهواة المتاع وطلاب الدنيا من مشركين ومنافقين وضعاف الإيمان - أولئك الذين يبتغون الدنيا وحدها، ويسعون من أجلها سعيا كثيفا حثيثا، ويكدحون في سبيل الشهوات ما يسبب لهم العناء والرهق - -.