وهذه هي نفحة الفزع الأكبر - وذلك في آخر أيام الدنيا حتى تقوم الساعة - والصور ينفخ فيها ثلاث نفخات، هي نفخة الفزع، ونفخة الصعق أي الموت، ثم نفخة البعث والقيام لرب العالمين - وقيل: هما نفختان اثنتان، لا ثلاث نفخات - وهما نفخة الصعق ثم نفخة البعث؛ ليجتمع الخلق في أرض الجزاء وهو يوم النشور.
ويندرج في هذه، نفخة الفزع - أي يحيون فزعين مذعورين؛ لهول ما يجدونه أمامهم من شدائد - وقيل: تندرج في نفخة الصعق - أي فزعوا فزعا رعيبا ماتوا بسببه.
قوله: {إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} اختلفوا في تعيين المستثنين - فقيل: المراد بهم الشهداء والأنبياء - وقيل: الملائكة - وقيل: المؤمنون جميعا.
قوله: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} {دَاخِرِينَ} ، منصوب على الحال - وهو جمع داخر، أي الصاغر الذليل - دخر الشخص دخورا، أي ذل وهان 51 وهذا وصف لحال العباد وهم يقومون مذعورين وجلين أذلة، إذ يساقون إلى المحشر - وحينئذ تغشى البشرية من غواشي الخوف والفزع ما لا تتصوره العقول إلا بالمعاينة والنظر - ونسأل الله النجاة والسلامة.
قوله: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} أي ترى الجبال يا محمد، تحسب أنها قائمة ساكنة وهي تسير سيرا حثيثا، أي مسرعا - وهكذا كل ناظر للجبال، فإنه يراها ثابتة لا تتحرك، وهي في حقيقتها تسير كما يسير السحاب، إذ تسوقه الرياح - وقيل: وهذا كائن يوم القيامة، تسير الجبال سيرا - وإذا رآها الناظرون حسبوا أنها مستقرة ثابتة؛ لأن الأجسام الكبيرة إذا تحركت حركة سريعة وكانت على سمت، واحد وكيفية واحدة ظن من يراها أنها واقفة - مع أنها تمر مرا حثيثا.
قوله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} {صُنْعَ} ، منصوب على المصدر المؤكد وتقديره: صنع صنعا 52 وأتقن من الإتقان وهو الإحكام.
والمعنى: أن ما سبق ذكره من النفخ في الصور وما يعقب ذلك من إفزاع للخلائق، ومن مرور الجبال كما يمر السحاب، وهي يحسبها الرائي قائمة ثابتة.
كل ذلك صنع الله الذي أحكم كل شيء وأوثق خلقه.
قوله: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} الله يعلم ما يفعله العباد من خير أو شر ومن طاعة أو معصية فيجازي كل امرئ بما عمل.
قوله: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} {مَن} ، اسم شرط في موضع رفع بالابتداء - {فَلَهُ} ، جواب الشرط، في موضع رفع خبر المبتدأ 53 والألف واللام في الحسنة للجنس، فالمراد: من جاء بجنس الحسنة وهو يفيد عموم الطاعات سواء في ذلك الإيمان والتوحيد وفعل الصالحات، من صلاة وزكاة وجهاد وبر، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وغير ذلك، من وجوه الفرائض والحسنات.