وفي تجنب الجدال والفسوق في الحج يقول النبي (ص) :"من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه".
ثم يرغّب الله عباده المؤمنين بفعل الخيرات - وهو سبحانه عليم بهذه الأفعال، وسوف يجزيهم بها؛ لذلك قال سبحانه: (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) 259.
وقوله: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) جاء عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية أن أناسا كانوا يخرجون للحج وليست معهم أزودة، مفردها زاد، ويقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فأمرهم الله أن يتزودوا بما يكف وجوههم عن الناس.
وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون فأنزل الله: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) 260 وفي ذلك ما يبين للناس أن طبيعة هذا الدين عملية، فإنه ليس من الدين التواكل الذي يعجز معه بعض الواهمين والجهلة عن السعي والبذل والعطاء ليقولوا: نحن المتوكلون - فإن المتوكلين الحقيقيين الذين يرضى عنهم الله هم العاملون الباذلون الذين يأخذون بزمام الجد والعمل في غير عجز أو كسل وهم مع ذلك كله يتوكلون على الله، ولا يبرح أنفسهم شعور الاعتماد عليه وحده سبحانه.
ومع الدعوة للتزود بزاد الدنيا من طعام وغيره فإن الله يدعو الحجاج والمعتمرين للتزود بزاد الآخرة ليكتب الله لهم النجاة وسلامة المصير - وذلكم هو زاد التقوى وهو خير زاد تتزود به القلوب، فقال سبحانه: (فإن خير الزاد التقوى) ثم يعطف الله بالتأكيد على التقوى إذ يخاطب من عباده أولي الألباب - وهم ذوو العقول والأفهام النيّرة، يخاطبهم بالدعوة لتقواه فيبادرون لعمل الطاعات ويبتعدون سراعا عن المناهي والمحظورات، فقال سبحانه: (واتقوني يا أولي الألباب) .
وقوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) كان الناس في أشهر الحج يتقون البيوع والتجارة تحرجا أن يكون فيها إثم فأنزل الله قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) 261 والجناح معناه الإثم - والفضل يراد به التجارة من أجل الارتزاق والعيش - وعلى هذا فليس من جناح أو بأس على من أحرم بالحج أو العمرة إن عمل في المتاجرة بيعا أو شراء - مع أن الانقطاع للعبادة وأعمال الحج أفضل؛ لما في ذلك من تخليص للقلب والذهن والجوارح من أوضار الدنيا ومغريات الحياة.
وقوله: (فإذا أفضتم من عرفات) أي انصرفتم مندفعين من عرفات وذلك عقيب الغروب لهذا اليوم المشهود - واسم عرفات يطلق على البقعة من الأرض في الحرم التي يجتمع فيها الحجاج جميعا - وهو وقوف أساسي ومفروض لا يتم لأحد حج من دونه - وهو ركن للحج بإجماع العلماء وفيه يقول الرسول (ص) :"الحج عرفات- ثلاثا- فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك".
وكذلك فإن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال لا يعتد بوقوفه ذلك ما وقع عليه الإجماع وذهب جمهور العلماء أيضا إلى تمام الحج لمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم أفاض في النهار من ذلك اليوم قبل الليل، لكن الإمام مالكا خالف في ذلك واشترط لتمام الحج أن يأخذ الواقف في عرفة من الليل شيئا.