قوله: (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) أي جعل الله الشمس دليلا على الظل؛ فإن الظل إنما يُعرف بالشمس ولولا الشمس لما عرف الظل - وذلك أن الأشياء تعرف بأضدادها - فإذا طلعت الشمس دلت على زوال الظل الذي يأخذ في النقصان بطلوع الشمس.
قوله: {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} القبض؛ الامتناع والإمساك وهو ضد البسط - قبضه بيده أي أمسكه 31 - والمعنى: أزلنا الظل بإيقاع شعاع الشمس موضعه - فعبر عن إحداث الظل بالمد، وهي يعني البسيط - كما عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه وهو يعني الكف؛ فقد قبضه قبضا يسيرا؛ أي كفه قليلا قليلا، حسب ارتفاع الشمس؛ لتنتظم بذلك حركة الكون وتتحصل به منافع الأحياء في الحياة الدنيا باستقرار الأوقات من الزمان، وهو يمر على الحياة والأحياء منسجما منتظما رتيبا لا عوج فيه ولا خلل - كل ذلك يدل على عظمة الصانع المقتدر الحكيم.
قوله: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا) شبه ظلام الليل باللباس الساتر؛ فهو يرخي سدوله على العباد ليناموا فترتاح أبدانهم وهو قوله: (والنوم سباتا) والسبات، من السبت وهو القطع والراحة - والسبات، النوم - والمسبت الذي لا يتحرك - والمسبوت، الميت 32.
وقوله: (وجعل النهار نشورا) النشور، الانبعاث من النوم للحركة والجد والعمل طلبا للمعاش وذلك عقب الاسترخاء والركون للراحة والانقطاع والدعة خلال الليل وما يتخلله من سبات وتفكر وتلاوة ودعاء وعبادة - وذلك شبيه ببعث الموتى ونشورهم لملاقاة الحساب والمساءلة - فهاتان ظاهرتان متتامتان، تكمل إحداهما الأخرى - ظاهرة الليل حيث الدعة والاستقرار وراحة الأبدان وسكينة الأعصاب - ثم ظاهرة النهار حيث النشور والنشاط والحركة والمعاش 33.
قوله تعالى: {وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50) } - الرياح في القرآن إيذان بنزول الرحمة، وهي هنا بمعنى المطر، بخلاف الريح بالإفراد، فقد وردت الريح في القرآن بمعنى العذاب - والمعنى: أن الله جل وعلا يرسل الرياح قدام المطر مبشرات بنزوله.
قوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) أنزل الله برحمته وفضله على العباد مطرا من السماء منهمرا طهورا - وهو مبالغة في الطهور والطهارة.
وقد جمع الله في الماء اللطافة وخصوصية التطهير؛ لتتم به الطهورية، ويتحقق باستعماله الاسترواح والابتهاج - وهو من جهته مزيل للأوساخ والقاذورات والنجاسات على اختلاف أنواعها - فيكون المرء به نظيفا طاهرا نقيا من الأوضار والأدران - لاجرم أن هذه نعمة كبيرة أنعم الله به على الإنسان - وهي دليل قدرته وعظمته - وذلك برهان يضاف إلى براهين كثيرة تشهد على عظمة الصانع القهار، جاعل الليل والنهار، وخالق الأحقاب والفصول والأدهار.