فهرس الكتاب

الصفحة 1253 من 2536

قوله: (بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) ذلك الإخراج من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام إنما هو بإذن الله؛ أي بتسهيله وتيسيره وتوفيقه (إلى صراط) بدل من قوله: (إلى النور) والمراد بالصراط هنا: طريق الله المودي إلى الحق في هذه الدنيا والمفْضي إلى النجاة والفوز في الآخرة، وقد أضيف الصراط إلى العزيز الحميد؛ لأن الله جل جلاله هو صاحبه، المبين له، وكفى بذلك دليلا قاطعا على أن هذا الطريق حق وصدق ومستقيم - و (العزيز) معناه القوي الغالب القادر على كل شيء و (الحميد) معناه المحمود في أفعاله وفيما أنعمه على مخلوقاته وعباده من النعم ومنها نعمة الإسلام - هذا الدين الذي تنجو به الإنسانية في هذه الدار ويوم تقوم الساعة.

وقوله: {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد} - (الله) ، يقرأ بالجر والرفع - فالجر على أنه بدل من قوله: (العزيز الحميد) والرفع على أنه مبتدأ وما بعده خبر - وقيل: خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هو الله الذي له ما في السماوات 2 - والمعنى: أن الله له ملكوت السماوات والأرض وما فيهن - ذلكم الله العظيم في جلاله وملكوته وسلطانه؛ حقيق بالإقرار له بالألوهية مستوجب للعبادة والطاعة والامتثال له وحده دون أحد سواه (وويل للكافرين من عذاب شديد) ذلك وعيد من الله للمكذبين الذين يجحدون كتابه الحكيم، ويجانبون صراطه القويم، ويأبون إلا الضلال واتباع الشهوات والهوى، أولئك لهم الويل - وهو مصدر غير مشتق ومعناه الهلاك - وقد يستعمل للتحسّر - وقيل: واد في جهنم يهوي فيه الجاحدون والمكذبون المضلون - ويل لهؤلاء (من عذاب شديد) وهو عذاب الآخرة حيث النار وبئس القرار - وقيل: المراد عذاب الدنيا والآخرة؛ فالله معذب الكافرين المضلين في الدنيا بمختلف أنواع العذاب من أهوال وأسقام ومخاوف وحروب، ثم يصيرون بعد ذلك إلى عذاب البرزخ (القبر) الذي يفضي فيما بعد إلى عذاب الآخرة بفظائعها وشدائدها العظام 3.

قوله: (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) الاستحباب هو طلب محبة الشيء - والمعنى: أن الكافرين يختارون الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها وزخرفها على الآخرة - أو أنهم يستبدلون الدنيا من الآخرة - وهؤلاء هم الأخسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة فباءوا بالعذاب والخزي.

قوله: (ويصدون عن سبيل الله) الكافرون الظالمون مجانبون بأنفسهم عن دين الله - وهم لا يكتفون بمجانبتهم ونأيهم عن منهج الله؛ بل يبادرون في هوس مريض، ونشاط ماكر، وخبث فظيع، وضغينة عاتية مركوزة؛ لصد الناس عن دين الله والحيلولة بين البشرية وهذا الدين العظيم الحكيم - وأنكى من ذلك كله أنهم كما وصفهم الله بقوله: (ويبغونها عوجا) (عوجا) ، منصوب على المصدر في موضع الحال - وقيل: مفعول ثان للفعل يبغون 4؛ يعني يطلبون لسبيل الله وهو دينه، الزيغ والاعوجاج؛ أي يبتغون أن يروا في دين الله الزيغ عن الاستقامة والتنكب عن الحق والصواب - وذلك هو شأن الكافرين الحاقدين المضلين وديدنهم في كل زمان؛ فإنهم يريدون للإسلام التشويه والزيغ؛ ليصير دينا مقلوبا آخر، دينا محرفا مبدلا وقد أتت عليه ظواهر التغيير والتشويه والتمسيخ؛ كيلا يكون بعد ذلك الدين الحقيقي الذي أراده الله للعالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت