قوله: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاؤ مبين} يعني أعطينا بني إسرائيل من العبر والعظات وجزيل الخيرات والنعم ما فيه اختبار يختبرهم الله به، أيشكرون أم يكفرون - وقيل: المراد بالآيات تنجيتهم من فرعون وفلق البحر لهم وتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى عليهم
وغير ذلك من وجوه الخوارق والمعجزات 9.
قوله تعالى: {إن هؤلاء ليقولون 34 إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين 35 فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين 36 أهم خير أم قوم تبّع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} .
يخبر الله عن مقالة المشركين الذين يكذبون بالبعث والنشور.
قوله: {إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين} يعني ما هي إلا موتتنا الوحيدة التي نموتها ثم لا نحيى بعدها ولا نبعث،
فهم بذلك ينكرون الساعة ويكذبون بيوم الحساب.
قوله: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} قيل: إن قائل ذلك من مشركي قريش أبو جهل، إذ قال: يا محمد إن كنت صادقا فيما تقول من بعثنا يوم القيامة من بعد الموت فابعث لنا رجلين من آبائنا، أحدهما: قصي بن كلاب فإنه كان رجلا صادقا، لنسأله عما يكون بعد الموت.
ومثل هذا القول من أبي جهل أو غيره من المشركين سخف وجهالة، فإن إعادة الخلق إنما يكون من أجل الجزاء يوم القيامة وليس للتكليف في الدنيا.
قوله: {أهم خير أم قوم تّبع والذين من قبلهم} استفهام إنكاري - والمراد بقوم تّبع ملوك اليمن - فقد كانوا يسمون ملوكهم التبابعة - فتبع لقب للملك مثل كسرى للفرس، وقيصر للروم - وقيل: تبع يراد به الحميري، سار بالجيوش حتى الحيرة ثم أتى سمرقند فهدمها - والمعنى أن هؤلاء المشركين من قومك يا محمد ليسوا خيرا من التبابعة والأمم المهلكة الأخرى - فإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء - ذلك تهديد من الله لمشركي العرب إذ يتوعدهم بالإهلاك والإبادة كما فعل بالمشركين السابقين كقوم تبّع وغيرهم فقد أهلكهم الله ودمّر عليهم وشردهم في البلاد، وفرقهم وشتت شملهم وهو قوله: {أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين} أي أهلكناهم بسبب إجرامهم وكفرهم.
قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين 38 ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون 39 إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين 40 يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون 41 إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم} .
يخبر الله عن مطلق عدله وعن تنزيهه الكامل لنفسه عن اللعب والعبث، فقال سبحانه: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} أي ما خلق الله هذين الخلقين الهائلين وما بينهما من الأجرام والخلائق على اختلافها وكثرتها للهو والعبث أو لغير غاية.
ومراد {ما خلقناهما إلا بالحق} أي من أجل الحق، أو لإقامة الحق وإظهاره بإفراد الله بالعبادة والإذعان له بالخضوع والطاعة.
قوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة فهم
لاهون غافلون، سادرون في الضلال، موغلون في حب الشهوات وزينة الحياة الدنيا.