ومن جهة أخرى فلو حصل الخوف وحده من غير سفر جاز القصر وتلك صلاة الخوف وهي لا لزوم لوجود الشرطين معا من أجل جوازها، وذلك كما لو داهم العدوّ المسلمين في دارهم فيجوز القصر حينئذ من غير اشتراط لحصول السفر.
قوله: (إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) ذلك بتوجيه للمسلمين كي يحاذروا ويأخذوا بأسباب اليقظة والحيطة فإن الكافرين لهم بالمرصاد يودّون أن يميلوا عليهم فيجتثوا شأفتهم - وقد يغتنمون فرصة انشغال المسلمين بالصلاة إذا كانت فترتها الزمنية طويلة نسبيا مثل الصلاة الرباعية - وبذلك فقد شرع الله للمسلمين أن يقصروا الصلاة تخفيفا لهما وإعجالا لكي يبادروا العدو بدوام الترقب والذر فلا يأخذهم على غرّة أو يجتاحهم في فترة يذهلون خلالها من أسلحتهم وأنفسهم وهم يصطفّون للصلاة خشّعًا آمنين متفرغين 149.
102 - (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)
قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) هذه صلاة الخوف يؤديها المسلمون في ساحة الجهاد إن كانوا يخشون العدو المتربص بهم والذين يتحيّن فيهم ساعة من غفلة أو انشغال - والعدو المتربص ماكر حاقد يودّ للإسلام أن يتهدّم أو يتداعى ويتمنّى للمسلمين سوء الحال من الهزيمة والدمار؛ ولذلك شرع الله لعباده المؤمنين هذا الضرب من الصلاة ليكونوا على حذر وليفوتّوا على أعدائهم المتربصين أية فرصة ينفذون منها لمحاربتهم والقضاء عليهم.
وقد ورد في صلاة الخوف من حيث كيفيتها وصفتها روايات كثيرة نقتصر منها على ثلاث لتتضح من خلالها صورة وافية مستبينة عن هذه الصلاة.
الرواية الأولى: وهي عن الإمام أحمد فقد أخرج بإسناده، عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله (ص) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد بيننا وبين القبلة فصلّى بنا رسول الله (ص) الظهر فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم - ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم - فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) قال: فحضرت- يعني الصلاة- فأمرهم رسول الله (ص) فأخذوا السلاح قال: فصففنا خلفه صفين قال: ثم ركع فركعنا جميعا، ثم سجد النبي (ص) بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدّم هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي (ص) والصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلس الآخرون فسجدوا ثم سلّم عليهم ثم انصرف"."