فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 2536

الرواية الثانية: وهي عن الإمام أحمد أيضا بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله (ص) محارب حفصة رجل منهم يقال غرس بن الحرث حتى قام على رسول الله (ص) بالسيف فقال: من يمنعك مني؟!"قال: الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله (ص) فقال: من منعك مني؟ قال: كن خير آخذ - قال"أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"قال: لا ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلّى سبيله، فقال: جئتكم من عند خير الناس - فلما حضرت الصلاة صلّى رسول الله (ص) صلاة الخوف فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ وطائفة صلّوا مع رسول الله (ص) فصلّى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو مع رسول الله (ص) ركعتين فكان لرسول الله (ص) أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين".

الرواية الثالثة: وهي عن البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما) قال: قام النبي (ص) وقام الناس معه فكبّروا وكبّروا معه، وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا.

هذه روايات ثلاث من أخرى كثيرة تتعلق كلها بصلاة الخوف وهي بأسانيد صحيحة وقوية - وما يبدو من اختلاف أو تعارض بين تلك الروايات لا يقلل من أهميتها أو اعتماد واحدة منها - والاختلاف أو التعارض- كما يبدو- قد جاء تبعا لاختلاف الظروف والمناسبات العسكرية التي كانت تمر بالمسلمين والنبي وهم في ساحة المعركة يواجهون العدو - وذلك كان يجعل النبي (ص) يصلّي بالمسلمين في الحرب على أكثر من هيئة، فتارة صلّى بهم مجتمعين، وصلّى بهم متفرقين تارة أخرى، فضلا عن اختلاف الهيئة للصلاة نفسها حين الاجتماع أو حين التفريق - والمعلوم في ذلك أن النبي (ص) صلى بالمسلمين صلاة الخوف مرات عديدة تبعا لطبيعة المعركة ووجهة العدو - وبذلك فإن الاستناد إلى آية رواية لاعتمادها والركون إليها يعتبر صحيحا لما يعززها من دليل صحيح.

أما صلاة المغرب من حيث هيئتها وكيفيتها فإن الذي عليه الجمهور وهو أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى من المسلمين ركعتين وبالثانية ركعة واحدة - وقيل غير ذلك.

وثمة مسألة تتعلق بصلاة الخوف حال الالتحام مع العدو في حرب طاحنة ضروس يصعب معها على المسلمين أن ينتظموا جميعا في صف واحد أو صفين - وفي هذه خلاف، فقد ذهب مالك والشافعي وعامة أهل العلم إلى أن لكل مسلم- والحالة هذه- أن يصلي مثلما يستطيع، سواء كان راكبا أو قائما أو قاعدا، وهيئته في ذلك أن يوميء إيماء، وسواء عليه كذلك أن يصلي مستقبل القبلة أو مستدبرها أو غير ذلك.

وإذا كان الخوف أشد من ذلك والمسلمون في ضراب شديد متلاحم لا مجال عنده للانثناء عن القتال ولو فترة تقام فيها الصلاة حتى ولا الإيماء إيماء، إذا كان الخوف كذلك جاز للمسلمين أن يؤخروا الصلاة ريثما تهدأ المعركة وينطفي لهيبها ثم تؤدى الصلاة في أمن وطمأنينة 150.

ومن أعظم ما نقف عليه هنا ونحن نتلو هذه الآية، هذا الاعتبار العظيم للصلاة الذي لا يداننيه اعتبار وهذا التشديد البالغ على الالتزام بفريضة الصلاة لكي تؤدى في وقتها مهما تكن الظروف إلا أن يشتد التلاحم اشتدادا يستحيل معه الاصطياف للصلاة في جماعة أو حتى مجرد الصلاة انفرادا - وذلك تأكيد عظيم على أهمية الصلاة وخطورتها باعتبارها العماد الأساسي الذي ينبني عليه الدين كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت