ونقف كذلك على حقيقة أخرى تكشف عن طبيعة اليسر في هذا الدين - وهو دين يلائم الفطرة الإنسانية، أفضل وأمثل ما تكون عليه الملاءمة من هوادة ومراعاة - وفي هذا من التيسير ودفع الحرج ما يكتب للإسلام دوام الصلوح والبقاء وما يجعله مناسبا لحياة الإنسان في مختلف جوانبه ومركّباته البدنية والنفسية والروحية.
على أن المخاطب في الآية هو النبي (ص) أولا، ثم الولاة والأمراء من بعده إلى يوم القيامة وذلك الذي ذهب إليه أهل العلم جميعا إلا ما كان من شذوذ لا يعوّل عليه.
وقوله: (وليأخذوا أسلحتهم) المقصود بواو الجماعة موضع خلاف على ثلاثة أقوال:
الأول: هي الطائفة التي تواجه العدوّ وتحرس المسلمين.
الثاني: هي الطائفة نفسها التي تصلي مع الإمام، فهي المطالبة بأخذ السلاح حال الصلاة وفي ذلك ترعيب للأعداء وتخويف.
الثالث: أن المقصود هم المحاربون جميعا سواء منهم المصلي أو القائم - فهم مقصودون بهذا النداء الرباني لكي يحملوا أسلحتهم وذلك أشد ترعيبا للعدو وتخويفا.
ذلك ما قيل عن المقصود بالواو في قوله: (وليأخذوا) لكن الذي يترجّح لديّ هو القول الأول استنادا إلى أن حمل المصلّي للسلاح لا ينطوي على كبيرة فائدة مادام ساكنا خاشعا لا يحارب - فإنه ليس من شأن المصلي غير التفرغ الكامل لأعمال الصلاة وأدائها في وعي وطمأنينة - وأي انفتال عنها يبطلها - وكذلك فإن سياق الكلام الذي يعرض لهذه المسألة يعزّز أن يكون القول الأول هو الصحيح - يتبين ذلك في جلاء من قوله تعالى: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) - ثم يأتي التأكيد لهذا المقصود في قوله تعالى: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) .
قوله: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) يتمنى الأعداء غفلة المؤمنين عن أسلحتهم وأمتعتهم التي يقوون بها على المرابطة والجلاد لينقضّوا عليهم في هجمة حاسمة قاصمة، تتبدد فيها شوكتهم وتذهب معها ريحهم - وذلك شأن المشركين الذين يشاقّون الله ورسوله ويودّون أن تحيق الهزيمة القاضية بالإسلام وأهله وأن يروا الدين وقد تحول إلى أثر بعد عين أو أنه استحال إلى ذكريات وخواطر تتضمنها الكتب والقراطيس - ولا جرم أن تذكرنا هذه الآية بما حل بالمسلمين من هزائم ونكسات ذاقوا بعدها البلاء والشدّة نتيجة للثقة الزائفة بقدرتهم الموهومة أو بقياداتهم الكاذبة المخادعة، وكذلك نتيجة لركونهم للإهمال واللامبالاة حتى إذا كانوا في غمرة عارمة من اللهو والغفلة مال عليهم العدو ميلة واحدة فأنزل فيهم ضربة باترة موجعة تدمّر عليهم قواهم ومنجزاتهم ثم تجتاحهم اجتياحا لتغزوهم في عقر ديارهم وهم داخرون مقهورون.
قوله: (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) .
أكثر أهل العلم على أن حمل المصلّي للسلاح في ساحة الجهاد مندوب - فإذا قام المؤمن للصلاة أخذ سلاحه وذلك أفضل من الوجهة الدينية وقد حمل العلماء قوله تعالى: (وليأخذوا أسلحتهم) على الندب والاستحباب - وذهب أهل الظاهر والشافعي وغيرهم إلى وجوب حمل السلاح للمسلم حال الصلاة وذلك لظاهر الأمر في قوله تعالى: (وليأخذوا) على أن يكون ذلك حين الخوف فإن وجوب أخذ السلاح في ظاهر الآية مشروط بحصول الخوف من العدوّ فعلا - والراجح ما قاله أكثر أهل العلم وفيهم أبو حنيفة وهو أن أخذ السلاح للمصلي مندوب لحمل الأمر في الآية على الندب؛ ولأن في دوام الحمل مشقة كبيرة وتعريضا للسلاح للتلف.