قوله: (بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قيل: القول الثابت في الحياة الدنيا يراد به شهادة أن لا إلا الله وأن محمدا رسول الله - وقيل: ما كان راسخا في قلوب المؤمنين وعقولهم من صدق العقيدة والإيمان بالله ورسوله، ومن المعاني والقناعات التي كانت تغذو أذهانهم وقلوبهم في الحياة الدنيا - وذلك هو القول الثابت الذي يثبت الله به عباده المؤمنين المخلصين في الدنيا.
قوله: (وفي الآخرة) أي عذاب القبر، وذلك حين يسألون عما كانوا عليه من التوحيد والإيمان بالله وبرسوله (ص) فالمؤمنون المخلصون يثبتهم الله؛ إذ يمكنهم تمكينا فيجيبون الملائكة ثابتين مطمئنين - لكن المجرمون الجاحدون؛ يسقطون في ظلمة التخسير والهوان واليأس وحينئذ تقرع المجرمين في قبورهم غاشية فظيعة من الرعب والوجل، فيستحوذ عليهم التلعثم والدهش، ويتملكهم الاضطراب والانغلاق والزعزعة، فلا يستطيعون الإجابة أو الحديث إلا في تأتأة وتلعثم وعسر بالغ - نجانا الله من كل هاتيك الكروب والأهوال وكتب لنا في الدارين السلامة والأمن والنجاة.
قوله: (ويضل الله الظالمين) أي هؤلاء الجاحدون الخاسرون لا يوفقهم الله في حياتهم الدنيا، ولا يثبتهم على القول الثابت في مواطن الفتن والشدائد، لاختيارهم الكفر والباطل - وكذلك يضلهم عن حجتهم في قبورهم كما ضلوا في الدنيا بكفرهم فلا يلقنهم كلمة الحق، فإذا سئلوا في قبورهم قالوا: لا ندري - فيقول: لا دريت ولا تليت، وعند ذلك يضرب بالمقامع 32 وقد ثبت مثل ذلك في الأخبار.
قوله: (ويفعل الله ما يشاء) وذلك في تثبيت الذين آمنوا وإضلال الظالمين الذين خسروا أنفسهم - فلا اعتراض على الله في ذلك ولا تعقيب 33.
قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) } نزلت الآية في مشركي قريش - وقيل: نزلت في المشركين الذين قاتلوا النبي (ص) يوم بدر.
والصحيح أنها عامة في جميع المشركين (الذين بدلوا نعمة الله كفرا) أي أتتهم نعمة الله وهي الإيمان والإسلام بما تضمنه ذلك من توحيد الله وطاعته وفعل الخيرات والصالحات، والسير على طريق الله اللاحب المستقيم، لكنهم بدلوا ذلك كفرا؛ أي كفروا نعمة الله عليهم وهي الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليهم من دين كريم - لقد جحدوا ذلك كله واستعاضوا عنه بالإشراك واختاروا الضلال والباطل بكل صوره ومسمياته الفاسدة.
قوله: (وأحلوا قومهم دار البوار) (قومهم) مفعول أول - و (دار البوار) ، مفعول ثان - (البوار) ، معناه الهلاك - والبور، الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه - وامرأة بور كذلك - وقوم بور؛ أي هلكى وهو جمع بائر - بار بوارا؛ أي هلك - وأباره الله: أهلكه - والأرض البور، قبل أن تصلح للزرع 34 - والمراد بدار البوار في الآية، جهنم.
إذ تبين ذلك بقوله في الآية التالية (جهنم يصلونها وبئس القرار) (جهنم) ، منصوب على البدل من (دار البوار) وهو غير منصرف للتعريف والتأنيث - (يصلونها) ، جملة فعلية في موضع نصب على الحال 34.
والمعنى: أن المشركون المضلين قد أنزلوا أتباعهم من قومهم الضالين السفهاء (دار البوار) وهي جهنم التي يدخلونها جميعا فتصطلي بلظاها الحارق جسومهم وجلودهم (وبئس القرار) أي بئس المستقر جهنم.