فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 2536

وهناك أدلة أخرى من السنة غير هذا الحديث تدل كلها على أن حرمة مكة سابقة لدعاء إبراهيم، وأنها في كتاب الله وقدره محرمة يوم خلق السماوات والأرض وهو ما نرجحه والله أعلم.

وعلى هذا الترجيح لا تُتصور منافاة بين الأدلة لكل من الفريقين - ويمكن تصور التوفيق بين أدلة الفريقين أن ما احتج به الفريق الأول من أدلة إنما يكشف عن مجرد تذكير إبراهيم بحرمة مكة وإعادة الإخبار للناس بهذه الحقيقة - وعليه فإن مكة كانت بلدا حراما منذ القدم، لكن إبراهيم الخليل عاود التذكير مجددا بهذه الحقيقة.

أما أي البلدين خير وأفضل؟ فقد ذهب جمهور المفسرين وأهل العلم إلى أن مكة خير من المدينة وأفضل مع أن لكل منهما خيرا وفضلا، وأنهما كلتيهما مباركة ومقدسة، وأنهما مضافا إليهما بيت المقدس في فلسطين خير بقاع الله وبيوته في الأرض، إلا أن مكة لهي ذروة السنام في القدسية والأفضلية؛ لأنها بلد آمن ترسو على متنه الكعبة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا والتي جاء فيها قوله سبحانه: {ومن دخله كان آمنا} وقوله {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} .

وفي فضل مكة وحرمتها ووجوب نشر الأمن والسلام والطمأنينة فيما يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح".

وعنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:"إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس؛ فلا يحلف لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب"وهو ما رواه أبو شريح العدوي لعمر بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة 117.

وقوله: {وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} دعا إبراهيم ربه أن يرزق أهل مكة من بركات الأرض في ثمارها الطيبة ذات الطعوم النافعة الجيدة.

وقوله: {من آمن} : (من) اسم موصول في محل نصب بدل من (أهله) وهو بدل بعض من كل 118 - وبذلك فقد كان دعاء إبراهيم لمن آمن من أهل مكة خاصة؛ ليخرج منا لمستفيدين من الأمن والثمرات من ليسوا مؤمنين، لكن الله تباركت أسماؤه قد كتب الرزق للناس كافة، سواء فيهم المؤمن والكافر وكذلك المستقيم والعاصي؛ ليأخذ الناس جميعا بحظوظهم من هذه الدنيا الحياة وما يملأها من الخيرات والمنافع والثمرات - وتلك هي سنة الله في الدنيا وفي الناس - فهو سبحانه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ويكتب الحياة واللذة والرغد للناس جميعا على اختلاف أهوائهم ومللهم وانتماءاتهم - والأصل في ذلك أن الحياة لهي ميدان اختبار وعمل، ثم تفضي بعد ذلك إلى الدار الآخرة حيث الجزاء ولا عمل - وخير الجزاء للذين أحسنوا في هذه الحياة الدنيا والذين أخلصوا لله النوايا ليعبدوه وحده بلا شريك.

وعلى هذا الأساس فإن الله- جلت قدرته- يكتب الرزق لمن يشاء من عباده، سواء في ذلك من آمن منهم ومن كفر، أما من كفر فإن الله يمتعه في الدنيا بما كتبه له من الحظ والعطاء الفاني، ثم يلجئه بعد ذلك إلى عذاب النار وهو أسوأ عاقبة يؤول إليها العبد المعذب الخاسر ليبوء بهوان المصير والعذاب البئيس، وفي ذلك يقول سبحانه: {ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت