فهرس الكتاب

الصفحة 1684 من 2536

وقيل: إن موسى لم يجب فرعون عما سأله بل كان ماضيا في تذكيرهم ودعوتهم إلى عبادة الله وحده - ومن أجل هذا قال فرعون لقومه: إن موسى لمجنون - ومع ذلك لم يلتفت موسى إلى مقالة فرعون وما كان يتيه فيه من باطل القول وظلم الافتراء - بل صدع بالحق المبين غير عابئ ولا متهيب بطش القوم وطغيانهم فقال: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} .

{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} هذه مجاهرة صريحة من موسى للقوم الظالمين يبين لهم فيها أن الله وحده رب كل شيء وهو خالقه ومالكه - وما من شيء إلا هو مربوب لله {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} إن كانت لكم أفهام تعقلون بها وتدركون ما أقوله لكم وتميزون بها ما بين الحق والباطل.

قوله تعالى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ) 32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلا حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ}

قامت الحجة على الظالم المتجبّر، حتى انقطع في باب الدليل والبرهان، فجنح بظلمه وطغيانه إلى أسلوب البطش والتنكيل كالحبس أو القتل أو التعذيب - وهذا هو ديدن الطغاة والمستبدين في كل زمان - أولئك الذين يسوسون الناس بالظلم والتسلط الغاشم، وهم ليس لهم في سلطانهم وحكمهم أيما حجة من منطق أو برهان إلا التعسف والعدوان؛ إنهم حينئذ لا يواجهون خصومهم بالاحتجاج أو الدليل إنما يواجهونهم بالشدة والتنكيل والتقتيل - وفي طليعة هؤلاء جميعا ذلكم الطاغية الكنود، فرعون؛ فقد غابت عن ذهنه وخياله كل ظواهر المنطق والاحتجاج فبادر إلى العسف والتهديد - فقد توعد موسى لئن اتخذ إلها آخر غيره لسوف يسجننه - فأجابه موسى عليه السلام في ثقة بالله ويقين، وفي عزيمة شامخة راسخة لا تتزعزع {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} .

30 - (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ)

{أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ} أي ببرهان قاطع مكشوف

31 - (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)

{قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} طلب فرعون على سبيل المكابرة والمعاندة والتحدي أن يأتيه ببرهان

32 - (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)

{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} والثعبان، ضرب من الحيات طوال، وجمعه ثعابين - يقال: ثعبْتُ الماء أي فجرته - والثعب، مسيل الماء في الوادي وجمعه ثعبان 9 والمراد بالثعبان هنا الحية الهائلة المَخوفة التي لا يراها بشر إلا هالته وراعته بمنظرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت