قوله: {فذكّر إن نفعت الذكرى} أي فكر الناس يا محمد وعظهم بالقرآن وحذرهم عقاب ربهم {إن نفعت الذكرى} أي ذكرهم إن نفعت الذكرى أو لم تنفع - وقيل: المراد بالاشتراط الظاهر ههنا، الذم لهؤلاء الظالمين المعاندين، وذلك على جه الإخبار عن حقيقة حالهم، والاستبعاد لتأثير الذكرى فيهم - وقيل: إن بمعنى ما، وليس الشرطية - أي فذكر ما نفعت الذكرى.
قوله: {سيذّكّر من يخشى} سيتعظ وينتفع بالموعظة من يخشى الله
ويخشى الدار الآخرة وما فيها من سوء الحساب فينظر ويتفكر ويتدبر حتى يهتدي ويستقيم
لكن هؤلاء العتاة الجانحين للضلال والعصيان فليسوا متعظين ولا متدبرين ولا خاشعين
وهو قوله: {ويتجنّبها الأشقى} .
قوله: {ويتجنّبها الأشقى} أي يتجنب الذكرى {الأشقى} وهو الموغل في الكفر والكيد والتربص للإسلام والمسلمين.
12 - (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى)
قوله: {الذي يصلى النار الكبرى} أي يرد النار الكبرى وهي نار جهنم - أو هي النار السفلى من أطباق النار.
13 - (ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا)
قوله: {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} لا يموت الشقي في النار فيستريح من العذاب - ولا يحيى حياة آمنة مريحة تنفعه - بل إنه خالد في النار يجد فيها على الدوام سوء الهوان ومس الحريق 3.
قوله تعالى: {قد أفلح من تزكّى 14 وذكر اسم ربه فصلّى 15 بل تؤثرون الحياة الدنيا 16 والآخرة خير وأبقى 17 إن هذا لفي الصحف الأولى 18 صحف إبراهيم وموسى} .
قوله: {قد أفلح من تزكّى} يعني فاز وأدرك مبتغاه من تطهر من دنس الشرك والمعاصي - وقيل: المراد بذلك صدقة الفطر فإنها طهرة لمن يؤذيها، إذ يتطهر بها من الذنوب - وقيل: المراد زكاة الأموال كلها - وقيل: المراد زكاة الأعمال وليس الأموال - والمعنى: طهّر أعماله من الرياء والتفريط.
قوله: {وذّكر اسم ربه فصلّى} أي خشي الله بقلبه فخشع وخشعت جوارحه وذكر المعاد والوقوف بين يديه فعبده واتقاه وأذعن لجلاله بالخوف والامتثال {فصلى} أي أدى الصلاة المفروضة، وهي الصلوات الخمس - وهو قول ابن عباس - وقيل: المراد بذلك صلاة العيد.
قوله: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} يعني بل تفضّلون الاستكثار من الدنيا بطيباتها وشهواتها ومتاعها على الآخرة وهي الباقية الدائمة - وقد روي عن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ لأن الدنيا حضرت وعجلت لنا طيباتها وطعامها وشرابها ولذاتها وبهجتها، والآخرة غيبت عنا فأخذنا العاجل وتركنا الآجل.
قوله: {والآخرة خير وأبقى} الآخرة أنفع وأدوم - فهي خير من الدنيا الفانية والزائلة - وما الدنيا في الآخرة إلا متاع هين داثر - أو سراب لامع خادع ما يلبث أن ينقشع ويتبدد - وبذلك فإن الدنيا دار ممرّ ما ينبغي لذي عقل أن يؤثرها على الآخرة أو يغلو في حبها والاستكثار منها - وفي ذلك روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له".