وقيل: الآية في مداراة الكفار وعدم مؤاخذتهم ثم نسخ ذلك بالقتال - والراجح القول الأول، وهو أن الله أمر بمكارم الأخلاق، وأن ذلك حكم مستمر في الناس وليس بمنسوخ.
أما العرف فهو المعروف؛ أي الجميل من الأفعال والأقوال - قال عنه الطوسي: هو كل ما حسن في العقل فعله أو في الشرع ولم يكن منكرا ولا قبيحا عند العقلاء.
قوله: {وأعرض عن الجاهلين} أي إذا أقمت الحجة على المشركين وقد أمرتهم بالمعروف فلم يقبلوا، أعرض عنهم ولا تمارهم بعد ذلك أيما مراء، ولا تسافههم في مقابلة ما يصدر عنهم من المرء والسفاهة - وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، كقوله في الآية: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} وهو سلام المتاركة؛ أي الترك ومجانبة السفه والسفهاء.
قال جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية - وفي هذا الصدد أخرج الترمذي عن عائشة (رضي الله عنها) قال: (لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفشحا، ولا سخابا 273 في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة؛ لكن يعفو ويصفح) .
وفي الخبر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وإتمام محاسن الأفعال) .
قوله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم} النزغ معناه الإفساد - (نزغ الشيطان بينهم) أي أفسد وأغرى 274، والمقصود هنا الوسوسة؛ فقد أمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إذا أدرك شيئا من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله - وهو من الاستعاذة؛ أي الالتجاء إلى الله؛ أي إذا اعتراك أو أصابك أو عرض لك من الشيطان وسوسة فاستجر بالله والتجئ إليه؛ فإنه يدفع عنك كيد الشيطان ويدرأ عنك نسخه ووسوسته، فإن الله سبحانه يسمع منك الدعاء والاستغاثة والالتجاء ويعلمه - وهو قوله: {إنه سميع عليم} .
قوله: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} {طائف من الشطان} ، أي لم من الشيطان - واللمم؛ الذنوب الصغيرة؛ وللمم أيضا طرف من الجنون - واللمة؛ بفتح اللام بمعنى المس - والعين اللامة؛ التي تصيب بسوء - يقال: أعيذه من كل هامة ولامة 275، فالمراد بالطائف؛ ما يطوف بالمرء من وسوسة الشيطان - والطيف بمعنى اللمم والمس، وهو أبلغ من النزغ - وهذا بيان لحال المؤمنين المتقين إذا طاف عليهم الشيطان بوساوسه {تذكروا} أي تذكروا ما أمرهم به الله وما نهاهم عنه، وعرفوا ما عليهم في ذلك من العقاب - قوله: {فإذا هم مبصرون} أي منتبهون فمجتنبون ومنتهون عن الآثام.
قوله: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يبصرونّ} أي إخوان الشياطين من المشركين يمدهم الشيطان في الغي، وهو الغواية؛ أي يطلبون لهم الإغواء ويزيدونهم في الضلالة ويزينون لهم الباطل {ثم لا يقصرون} من الإقصار وهو الانتهاء عن الشيء - والمراد الشياطين؛ فإنهم لا يكفون عن استغواء الكافرين، ولا ينتهون عن إمدادهم بالغي والإضلال 276.