فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 2536

قوله: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} أي ليس من شأني أن أعلم الغيب بل، إني لست إلا رسولا من عند الله أرسلني إليكم لأنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره، وأبشر بثوابه وجزائه من آمن به وأطاعه واتقاه، على أن المنتفعين ببشارة الرسول صلى الله عليه وسلم ونذارته هم المؤمنون الذين يستقينون بحقية ما جاءهم به من عند الله - ومن أجل ذلك خص المؤمنين هنا بالذكر 262.

189 - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)

قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهم لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين 189 فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} ذلك إخبار من الله تعالى أنه خلق البشرية من أصل واحد وهو آدم، وخلق من آدم زوجه حواء {ليسكن إليها} أي ليستأنس بها ويطمئن ويستريح 263، وذلك بعد أن خلقها الله من أحد أضلاعه - وكان ذلك حال كونهما في الجنة - ولما أهبطهما الله إلى الدنيا بدأت بهما مرحلة أخرى جديدة - وتلك هي مرحلة الحياة الدنيا - بما فيها من امتحان طويل وحافل، وبما يتخللها من مشكلات ومعضلات ونائبات وبلايا حتى يرث الله الأرض وما عليها - لقد كانت بداية هذه المرحلة عقب التوالد والتناسل وانبزاغ الذرية - ويشير إلى ذلك قوله: {فلما تغشاها حملت خفيفا} وهذا كناية عن الجماع - وبذلك حملت حملها الخفيف؛ أي الحمل غير الظاهر ولا المستبين {فمرت به} أي استخفته فقامت به وقعدت من غير تثاقل ولا مشقة.

قوله: {فلما أثقلت دعوا الله لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} صالحا، منصوب؛ لأنه صفة للمفعول به الثاني المحذوف - والتقدير: ابنا صالحا - والمفعول به الأول الضمير (نا) في قوله {آتيتنا} 264 أي لما صارت حواء ذات ثقل، إذ كبر الجنين في بطنها واقتربت ولادته نادى آدم وحواء ربهما قائلين: يا ربنا {لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} والمراد بالصلاح هنا: أن يكون المولود بشرا سويا وليس غيره كبهيمة أو شيئا غير الإنسان - وقيل: الصلاح في استواء الخلق - وقيل: الصلاح في الدين - وقيل: في العقل والتدبير - أو الصلاح في عموم ذلك كله؛ فقد أقسما {لئن آتيتنا صالحا} بكل معاني الصلاح {لنكونن من الشاكرين} أي ممن يشكرك على خير ما مننت به علينا من الولد السوي الصالح.

قوله: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما أتاهما} المراد بذلك ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده؛ فإنهم يدعون الله أن يرزقهم الولد الصالح فإذا رزقهما الله إياه جعلوه مشركا لله كما لو جعلوه يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا، أو أشركوا فيما آتاهم الله من الأولاد وذلك بتسميتهم منسوبين إلى الأصنام مثل: عبد العزى، وعبد مناة، وعبد شمس - وما أشبه ذلك بدلا من تسميته بعبد الله أو عبد الرحمن أو عبد القدر ونحو ذلك - ونستبعد أن يكون المراد من ذلك آدم وحواء وإنما المراد المشركون من ذريتهما - ولذلك قال: {فتعالى الله عما يشركون} ولم يقل: يشركان - وذلك تنزيه من الله نفسه وتعظيم منه لجلاله العظيم عما يخرصه المبطلون من اختلاق الأنداد والآلهة 265.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت