والوفاء بالعهد بعد الالتزام والتعاهد يكون بين العبد وربه، أو بين العبد وغيره من الناس، فإذا عاهد المسلم ربه ليلتزم بأمر من الأمور المشروعة وجب الوفاء بذلك - وهو كذلك إذا عاهد أحدا غيره من العباد، فما يكون له بعد ذلك أن ينقض عهده أو يُخلف ما ألزم نفسه بالوفاء به.
وقوله: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) (والصابرين) منصوب على المفعولية لفعل مدح محذوف، وقيل: معطوف على قوله: (ذوي القربى) 175 و (البأساء) معناه الفقر - (والضراء) معناه المرض - أما البأساء فهو الحرب.
هذه هي المقتضيات الحقيقة للبر، والتي تنطق بها حقيقة هذا الدين العظيم، فلا طقوس أو شكليات، ولا مظاهر جوفاء يعوزها المضمون كشأن المشركين وأهل الكتاب الذين يعبأون بالصورة دون المعنى، وبالشكل دون الحقيقة، وبالطقوس الخاوية البلهاء دون العقيدة الواعية والفكر السليم - وسواء كان التولي نحو المشرق أو المغرب، فإنه لا قيمة لذلك ما لم يقترن بالتوجه الحقيقي والكامل نحو الله وحده وما لم يقترن كذلك بجملة الأسس الإيمانية والتطبيق العملي لظواهر هذا الدين، وهي مقتضيات البر التي متحدثنا عنها آنفا - ما بين إيمان صحيح وإيتاء للمال على حبه ثم إقامة للصلاة وأداء للزكاة ووفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس - ولا يمارس ذلك أو يحققه على التمام إلا من كان من الصادقين المتقين - وفي ذلك يقول سبحانه آخر الآية: (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) 176.
178 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) القصاص معناه المماثلة في العقاب فأيما أحد اعتدى عمدا بقتل أو دونه كالجرح وغيره، كان لولي القتيل أو للجريح أو المعتدى عليه أن يقتص بالمثل من المعتدي القاتل أو الجارح - وقيل: القصاص مأخوذ من قص الأثر، ذلك أن القاتل بعد عدوانه يولي ذاهبا فيكون لقدميه من بعده أثر مما يعين أولياء القتيل على تتبع أثره وملاحقته وإدراكه - وقيل: القصاص مأخوذ من القص أي القطع، وأساس ذلك أن يُقتل المعتدي أو يجرح قصاصا نظير عدوانه 177.
ولقد شرع الإسلام القصاص عقابا رادعا تنزجر به نفوس الذين يسول لهم الشيطان أن يعتدوا على الآخرين بغير حق - وقد بينا سابقا أن الإسلام جاء مناسبا للفطرة البشرية تماما، إذ جعل ولي القتيل أو المعتدى عليه بالخيار بين ثلاث - فإما القصاص، وإما الدية، وإما العفو - وذلك خلافا للكتب السماوية من قبل الإسلام فكانت من هذه القضية بالذات ما بين إفراط وتفريط - فالتوراة كان فيها إيجاب للقصاص دون الدية أو العفو - والإنجيل كان فيه إيجاب للعفو دون القصاص أو الدية.
ومن ذلك يبدو أن كلا الموقفين يأتي في غير صالح الفطرة البشرية أو أن كليهما لا يتلاءم مع المصلحة التي تقتضيها حقيقة التفاوت في رغبات البشر.