فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 2536

ومعلوم أن الناس متفاوتون ما بين حاد يؤثر الانتقام وإشفاء الغليل، أو راغب في مال تهدأ معه سورة الغضب في نفسه، أو وقور متبتل ودود يؤثر العفو على المال وإشفاء الغليل - فقد جاءت شريعة الإسلام ملاءمة لمثل هذه الطبائع المتفاوتة في رغائبها - وتطلعاتها - فشرعت بذلك الولي أو المصاب أن يختار بين أمور ثلاثة: القصاص والدية والعفو.

ويتبين من هذه الآية أن الناس كانوا لا يعدلون في القتل العمد، بل كانوا يقتلون الرجل بالمرأة والحر بالعبد وذلك على سبيل المفاخرة والاستكبار - فكانوا إذا قتلت المرأة في القبيلة المشهورة قال أولياؤها: لا نقتل إلا رجلا بدلا منها من قبيلة القاتل - وإذا قتل الرجل فيها قال أولياؤه: نقتل بدلا منه اثنين أو أكثر ولا نكتفي بواحد أو القاتل نفسه - وإذا قُتل العبدُ في القبيلة ذات النفوذ والصيت قالوا: لا نقتل بدلا منه إلا حرا.

وذلك تصرف جاهلي ظالم أساسه التصور الضال الذي يراود أذهان الفاسدين والمنحرفين من الناس الذين يعيشون على الجاهلية الحمقاء في تعصبها وسفاهتها واستكبارها؛ لذلك نزل قوله سبحانه ليضع الأمور في مواضعها الصحيحة وليقيم للقضايا وقواعد الحياة كلها خير ميزان: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) أي لا ينبغي أن يُقتل بدل العبد حر، ولا بدل الأنثى رجل - وإنما ينبغي أن يقتل القاتل نفسه سواء كان القاتل حرا أو عبدا أو أنثى - وسواء كان القتيل عبدا أو امرأة - ذلك هو القضاء العدل الذي يقوم على المماثلة دون انحراف أو تعصب أو جنوح للهوى.

ويتفرع عن هذه القضية جملة مسائل منها: هل يقتل الحر بالعبد؟ أي أن الحر إذا قتل عبدا فهل يقتل به؟

فقد هب الإمام ا [و حنيفة وداود الظاهري والثوري وآخرون أن الحر يقتل بالعبد - وهو مروي عن فريق من الصحابة والتابعين - واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) وكذلك قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وذلك فيه عموم وهو يشكل الأنفس كيفما كانت دون تمييز بين حر وعبد أو ذكر وأنثى 178 - واستدلوا كلك بالحديث:"المؤمنون تتكافأ دماؤهم"179 فليس من فرق إذن بين حر وعبد - وذلك خلافا لمذهب الجمهور بعدم قتل الحر بالعبد 180 - وذهب آخرون من العلماء إلى غير ذلك فقالوا: لا يقتل الحر بالعبد.

والراجح عندنا المذهب الأول استنادا إلى ما ذكرناه من دليل، ويعزز ذلك قول النبي (ص) :"من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه"181

وهل يقتل المسلم بالكافر؟

ذهب أبو حنيفة إلى قتل المسلم بالكافر، وهو يستند في ذلك إلى عموم قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) فأيما نفس تُقتل عمدا وجب قتل قاتلها، مادام القتيل ذميا؛ لأن الذمي يساوي المسلم في حرمة الدم - فهو (الذمي) محقون الدم على التأبيد وهو من دار الإسلام - وكذلك لو سرق المسلم فإنه تقطع يده في ذلك؛ لأن مال الذمي مصون؛ لذلك يُحكم بقتل قاتله في العمد - لكن جمهور العلماء قالوا: لا يقتل المسلم الكافر، واستدلوا لذلك بما ثبت في البخاري عن علي قال: قال رسول الله (ص) :"لا يقتل مسلم بكافر"وذلك حديث صحيح، وهو يصلح لتخصيص العموم في قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص) وقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) .

وهو ما نميل إليه ونرجحه والله تعالى أعلم 182.

وهل يقتل الرجل بالمرأة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت