أجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة - أما القصاص بينهما فيما دون النفس فهو المعتبر عند أكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور، لكن أبا حنيفة - رضي الله عنه- خالفهم في ذلك وقال: لا قصاص بين المرأة والرجل فيما دون النفس، وإنما يكون القصاص في النفس.
وفي تقديري أن قول الإمام في هذه المسألة مرجوح، فإنه إذا وجب القصاص بينهما في النفس فمن الأولى أن يكون القصاص بينهما فيما دون النفس 183.
وهل يقتل الوالد بولده؟
اختلف العلماء في هذه المسألة - فقد ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي إلى أنه لا قَود على الأب في قتل ابنه وأن عليه الدية فقط، وقد استندوا في قولهم هذا إلى الحديث:"لا يقاد والد بولده"184 وتعلقوا أيضا في قضاء لعمر- رضي الله عنه- إذ قضى بالدية المغلطة في قاتل ابنه ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة.
وقد خالف الإمام مالك الجمهور في هذه المسألة، وقال بالتفصيل - فإن رماه الأب بالسلاح على سبيل التأديب أو الحنق 185 فقتله وما كان يقصد بذلك قتلا فقد ذكر عنه أنه يقتل به - وفي قول آخر عنه أنه لا يقتل به، بل يدفع ديته مغلظة.
أما إذا قصد قتله فعلا وعلى نحو مستبين ومكشوف كأن يضجعه ويذبحه ذبحا قتل به قولا واحدا 186.
وهل تقتل الجماعة بالواحد؟
ذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء إلى أن الجماعة يقتلون بالواحد، فإذا تمالأ كثيرون على قتل واحد بريء عمدا جاز قتلهم جميعا - وخالفهم في ذلك الإمام أحمد بن حنبل الذي قال: لا تقتل الجماعة بالواحد، وتوجيه ذلك عنده أن الله سبحانه شرط المساواة في القصاص ولا مساواة بين الجماعة والواحد - فقد قال تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وذلك يقتضي المساواة ولا مساواة في قتل الجماعة بالواحد.
لكن الحقيقة الظاهرة أن هذا القول الذي ذهب إليه أحمد مرجوح وما ذهب إليه الجمهور هو الراجح والصحيح.
وتوجيه ما ذهب إليه الجمهور أن المراد بالقصاص في الآية المذكورة هو قتل من قتل أيا كان القاتل، ويستوي في ذلك أن يكون القاتل واحدا أو أكثر، فإن كانوا أكثر من واحد فكل واحد منهم مشارك في القتل - وفي ذلك رد مناسب على ما اعتاده العرب، إذ كانوا يريدون أن يقتلوا بمن قتل من لم يقتل، ويقتلون بدل القتيل الواحد مائة، وذلك على سبيل المفاخرة والاعتداد بالجاه والسيطرة - فأمر الله - ردا عليهم- أن يقتل كل من قتل.
ومن المعلوم كذلك أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة برجل واحد في صنعاء، وقال قولته المشهورة: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعا - حتى قيل إنه لا يعرف له في زمانه من خالفه من الصحابة فكان ذلك كالإجماع.
وكذلك قاتل علي - رضي الله عنه- الحرورية لما قتلوا رسوله عبد الله بن خباب إذ ذبحوه كما تذبح الشاة - ولما علم علي بذلك قال: الله أكبر! نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتلناه ثلاث مرات - فقال علي لأصحابه: دونكم القوم - فما لبث أن قتلهم علي بعبد الله بن خباب.
ويعزز ذلك أيضا ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله (ص) :"لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار".
ومن ناحية أخرى فإن صون الدماء وحفظ الأرواح يتطلب أن يقتل الجماعة بالواحد؛ لكيلا يكون ثمة مجال للاحتيال ينفذ منه القتلة - فإذا علمت الجماعة أن قتلهم للواحد لا يوقع عليهم قصاصا تعاون الخصوم على قتل خصم واحد لهم مشتركين - وفي ذلك تأدية لغرضهم المبيت المقصود وإشفاء لغيظهم وغليلهم 187.