فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 2536

وبعد القتل العمد فإن وليّ القتيل له الخيار، فإن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل - فإن القاتل في هذه الحالة مكلف بدفع الدية بغير رضاه إن طلبها الولي - أي أن دفع الدية في حق القاتل يصبح فرضا عليه؛ وذلك لإحياء نفسه وإنقاذها من الموت، لقوله سبحانه: (ولا تقتلوا أنفسكم) وذلك ما ذهب إليه مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وآخرون غيرهم.

قوله: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وآداء إليه بإحسان) قوله (مَنْ) يراد به القاتل، والذي يعفو هو ولي المقتول - والمراد بأخيه، المقتول أو ولي الدم - والمراد بالشيء، الدم الذي يعفو عنه الولي ليكتفي بدلا منه بأخذ الدية - والمعني، أن القاتل والجاني إذا عفا عنه ولي المقتول أو المجني عليه فيما يأخذه منه بالمعروف، وعلى القاتل أو الجاني أن يؤدي له ما عليه بإحسان، أي من غير مماطلة ولا تسويف وقوله: (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) يأمر الله في ذلك بحسن الاقتضاء من ولي الدم وحسن القضاء من القاتل - فعلى الولي أن يطالبه بالدية برفق، وعلى الجاني القاتل أن يدفع إليه الدية بإحسان فلا يماطل أو يتردد في الأداء بما يشق على الولي الذي عفا له عن القصاص منه.

وقوله: (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) اسم الإشارة مبتدأ في محل رفع خبره تخفيف مرفوع، لقد خفف الله عن هذه الأمة ثقل الحكم الذي كان مفروضا في القتل العمد في كل من التوراة والإنجيل، فما كان في التوراة غير القصاص، وما كان في الإنجيل غير العفو، وفي كليهما قسوة كما هو معلوم، بل إن كليهما يقف من قضية القتل العمد موقف التطرف الذي يجلب لكثير من الناس حرجا وتعسيرا، لكن شريعة الإسلام جعلت للناس مندوحة أرحب في تقرير مجالات ثلاثة وهي: القصاص أو الدية أو العفو وذلك تخفيف عن كاهل هذه الأمة ورحمة بها.

وقوله: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) أي من قبل الدية أو أخذها بدل القول ثم عاد وقتل القاتل فله من الله عذاب موجع شديد؛ لما في ذلك من سوء النية وخبث القصد وفساد التصرف - فما دام الولي قد قبل الدية فليس له بعد ذلك أن يقتاد من القاتل، وإلا كان في زمرة الكاذبين الذين يخفون للناس مكرا وخداعا وليس ذلك من أخلاق المؤمنين الصادقين، بل هو من أخلاق المنافقين أو الجاهليين كما وصفهم الحسن البصري في هذه القضية فقال: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فرّ إلى قومه فيصالحون بالدية، فيقول ولي المقتول: إني أقبل الدية حتى يأمن القاتل ويخرج فيقتله ويرمي إليهم بالدية.

وقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن أبي شريح الخزاعي أن النبي (ص) قال:"من أصيب بقتل أو خبْل 188 فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها".

وثمة مسألة اختلف فيها العلماء وهي فيما إذا أقدم ولي القتيل على قتل القاتل بعد أخذ الدية - ففي ذلك تفصيل للعلماء نبينه في التالي:

ذهب فريق من العلماء ومن بينهم الإمامان مالك والشافعي إلى أن الولي المعتدي يكون شأنه في هذه الحالة كمن قتل ابتداء - وبذلك فإن ولي القتيل الثاني بالخيار، فإن شاء قتل القاتل أو عفا عنه، وهو في الآخرة من المعذبين بسبب اعتدائه بعد قبوله للدية.

وقال آخرون: جزاء القاتل الثاني المعتدي أن يقتل البته فلا دية ولا عفو، وذلك لما قارف من عدوان بالقتل بعد الدية - وفي ذلك روى أبو دوود عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (ص) :"لا أعفى 189 من قتل بعد أخذ الدية"وفي رواية::"لا أعافي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت