فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 2536

وما أعظم حديث النبي الكريم في هذا الصدد؛ إذ يرسم صورة تكشف عن حقيقة الحياة الدنيا وأنها حطام مندثر يستمتع به البشر في غمرة اللهو والمرح إلى أجل محدود - يقول عليه الصلاة والسلام:"مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل بظل شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها"115.

وإذا ترسخ هذا الاعتبار في التصوّر أدركنا في يقين لا يخالطه شك أن الآخرة لهي خير وأفضل لما تتصف به من حسن وبقاء مستديم - وتلك حقيقة يؤمن بها المتّقون الذين يخشون الله ولا يخشون أحدا سواه والذين يزنون الأمور على الدوام بميزان الله، فلا يجنحون إلى الدنيا بحطامها ومتاعها تحت مطارق الشهوات العاتية الحامية.

وفي اليوم الآخر تنكشف السرائر والخبايا لتقف البشرية حاسرة أمام الخالق القاهر الديان لتناقش الحساب (ولا تظلمون فتيلا) أي لا يكون هناك ظلم ولو بمقدار الفتيل وهو الخيط على لفافة التمرة التي تحيط بالنواة - أو ما يتحصل من أوساخ مفتولة تظهر على الكفين إذا تفاركا.

78 - (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا)

قوله تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا) قوله: (أينما) أداة شرط، وما زائدة - (تكونوا) جملة الشرط، وقوله: (يدرككم الموت) جواب الشرط - وذلك خطاب عام للناس جميعا بأنهم صائرون إلى الموت لا محالة وأنهم لا يدرأون عن أنفسهم الموت مهما اتخذوا من الوسائل والأسباب التي قد تدرأ عنهم بعض الشدائد والعوادي أو تخفف عنهم حدة الأزمات والكوارث، لكنها لا ترد عنهم داهية الموت الذي سيؤول إليه كل كائن مهما امتد به العمر والأيام - قال سبحانه: (كل من عليها فان) وقال جلا وعلا: (كل نفس ذائقة الموت) .

قوله: (ولو كنتم في بروج مشيدة) البروج المشيّدة هي القصور المنيعة المحصّنة وقيل هي الحصون والقلاع والآطام المبنية - وقيل غير ذلك وهي جميعها أقوال متقاربة يقصد منها الثواء إلى حصون مكينة منيعة ظنا أنها تدرأ عن الثاوين المخاطر والمقادير - لكن داهية الموت إذا دهمت وجاء الأجل المقّدر المحتوم باتت كل هذه الأسباب والمحاذير غير ذات قيمة أو اعتبار - فلا يغني حينئذ حذر من قدر ولا تجدي المحاذير أو الحسابات البشرية مما هو مسطور في علم الله وقدره؛ لأن (أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون) ولا يتشبّث أحد بمثل هذه الأسباب إلا وهو يخالطه الحرص البالغ على الحياة أو المكث فيها طويلا، وهو لا تدنو منه قارعة الموت إلا ويجد نفسه شديد اللصوق بالحياة والإخلاد إلى الأرض في انشداد عجيب مؤمّلا أن يستزيد من البقاء ما هو أكثر - وتظل بوادر المنيّة وأعراضها تتكشف له عن النذير بالفراق المرعب الطويل، لكنه يظل يستمسك بحبائل الحياة في عناء وهو يعلل نفسه بطول الآمال والأماني - وما ذلك إلا العبث اللاهي الذي يتيه خلاله الإنسان ليبعد عن نفسه شبح الموت، وهو شبح مخوف مزلزل يتراءى للإنسان في كل لحظة فيراود فيه الحس والخيال مراودة غليظة تنذر بحلول الأجل الذي تلتفظ معه الأنفاس وتزهق فيه الروح زهوقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت