قوله: (وجعلنا لكم فيها معايش) المعايش جمع، ومفرده: المعيشة - وهي المطعم والمشرب الذي يعاش به؛ فقد ذلل الله الأرض للإنسان وجعلها صالحة لمعاشه فيجني منها في سهولة ويسر ما يحتاجه من طعام وشراب ولباس ومأوى - ذلك من نعم الله على الإنسان؛ إذ خلقه على هذا الكوكب وذلّل فيه من أسباب العيش السليم ما يجد فيه راحته وأمنه في هذه الدنيا إلى أن تحين ساعة الفراق بالموت والرحيل إلى دار البقاء.
قوله: (ومن لستم له برازقين) (من) ، يجوز أن تكون في موضع نصب ورفع - فالنصب بالعطف على قوله: (معايش) وقيل: منصوب بتقدير فعل وتقديره: جعلنا لكم فيها معايش وأعشنا من لستم له برازقين.
أما الرفع: فهو الابتداء، وخبره محذوف 16 - والمراد بمن لستم له برازقين: الدواب والأنعام والأولاد - ولفظ (مَنِ) ، يتناول من يعقل وما لا يعقل إذا اجتمعوا - والمعنى: أن الله جعل للناس في هذه الأرض معايش ولمن ليسوا له برازقين من العيال والدواب والأنعام والخدم وغيرهم ممن لا يرزقهم سوى الله 17.
قوله: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستئخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) } .
(إن) ، أداة نفي بمعنى ما - (من) ، زائدة للتأكيد - أي وما من شيء من أرزاق الخلق إلا عندنا خزائنه - والخزائن جمع ومفرده الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء أي يحفظ - ويقال: خزن الشيء يخزنه إذا أحرزه في حزائنه - وعامة المفسرين على أن المراد بالخزائن ههنا المطر؛ لأنه هو السبب للأرزاق والمعايش لبني آدم وغيرهم من الدواب والأنعام والطيور - والله سبحانه إنما ينزله حسبما يشاء، وبقدر ما يكفي الخلق.
وقيل: إن ذكر الخزائن من باب التمثيل، وعلى هذا يكون المعنى: ما من شيء ينتفع به العباد والدواب إلا ونحن قادرون على إيجاده وتخليقه، وما نعطيه إلا بمقدار نعلم أنه مصلحة لهم - وبذلك قد ضرب الله الخزائن مثلا لإرادته المطلقة وحكمته البالغة واقتداره على صنع ما يشاء، وذلك هو تأويل قوله: (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) .
قوله: (وأرسلنا الرياح لواقح) اللواقح جمع لاقح بمعنى حامل - نقول: ناقة لاقح، أي حامل؛ فقد شبهت الريح التي تحمل السحاب الماطر بالناقة الحامل؛ لأنها"الريح"حاملة لذلك السحاب أو للماء الذي فيه.
ويجوز أن تكون لواقح بمعنى ملاقح، جمع ملقحة - وهو من ألقح الفحل الناقة إذا ألقى ماءه فيها لتحمل - أو من ألقحت الريح الشجر - والمراد ملقحات للسحاب أو للشجر؛ أي أن اللواقح، التي تلقح السحاب حتى يحمل الماء، وهي أيضا التي تلقح الشجر حتى يثمر - لا جرم أن هذا شاهد مبين ينطق بأن هذا الكلام رباني وأنه معجز - فمن أين لمحمد (ص) ، وهو العربي الأمي في بيئته البدائية الأمية أن يعي وحده مثل هذه الحقيقة العلمية في تلقيح النبات لولا أنه يوحى إليه بذلك من ربه؟! وما كانت البشرية في ذلك الزمان لتعلم أن عملية الإثمار في الشجر يسبقها عملية التلقيح لإيناع الشجر وتحصيل الثمر، وذلك على نمط ما يجري في بقية الكائنات الحية.