فهرس الكتاب
وقيل: إن ذلك عام في جميع الكافرين؛ فإن الله تعالى يعلم في الأزل أن في الكافرين من سيفيء إلى دين الله وإلى عقيدة التوحيد ليحشر يوم القيامة في زمرة المؤمنين والمتقين - ويعلم أن فيهم من يظل ساردا في ضلاله وعصيانه ليفضي بعد ذلك إلى الموت وهو كافر خاسر.
قوله: {وربك أعلم بالمفسدين} ذلك تهديد من الله للمشركين الضالين؛ إذ يبين لهم الله أنه عليم بالمعاندين المصرين على الفكر والجحود؛ فسوف يجازيهم بأعمالهم وفسادهم.
قوله تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون 41 ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون 42 ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا يبصرون 43 إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} .
يخاطب الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أنه عن كان كذبك هؤلاء المشركون وجحدوا رسالتك وما أنزل غليك من ربك فقل لهم: لي جزاء عملي بما بلغت وأنذرت، ولكم أنتم جزاء عملكم بما جنيتم على أنفسكم من إتيان الشرك والمعاصي {أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون} أي أنتم غير مؤاخذين بما أعمل، وأنا غير مؤاخذ بجزائر ما تعملون؛ فما من أحد منا مؤاخذ بذنب الآخر.
وقيل: هذه الآية منسوخة بآيات الجهاد؛ فقد أمر الله بقتال المشركين الضالين الذين لم تجد معهم كلمة الحق أو لغة المنطق - أولئك الذين لم تفض البينات والدلائل والحجج إلى قلوبهم الصم وعقولهم الغلف؛ فأبوا إلا العتو والتمرد والضلال - فما تجدي مع هؤلاء الغلاظ العتاة وسائل الرأفة واللين والمنطق - وإنما -يجدي معهم التلبس بالشدة والردع الغليظ.
قوله: {ومنهم من يستمع إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون 42 ومنهم من ينظر إليك فأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون} جمع الضمير في {يستمعون} حملا على المعنى؛ لأن معناها الجمع، وأفرده في {ينظر} حملا على اللفظ؛ لأن لفظها مفرد 53 والاستفهام للنفي، والفاء في الموضعين للعطف، وهذا فريق من المشركين الضالين قد ختم الله سمعه وقلبه وبصره فبات كالأبله الأصم الذي لا يسمع ولا يعي - وكالأعمى الضال الذي لا يبصره ولا يهتدي، هؤلاء لفرط تمردهم وعتوهم وفظاعة جحودهم وحقدهم باتت طبائعهم ونفوسهم لا تستسيغ الحق ولا تلين لكلام الله؛ فهم يشهبون في ظواهرهم الصم والعمى؛ إذ هم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن وتنسكب من فيه الطاهر أروع الحكمة والكلم - لكن جهاز الاستقبال المركوز في أعماقهم معطل مشلول؛ فهم بذلك لا تلين قلوبهم لسماع القرآن، ولا يستجيبون لندائه البليغ المؤثر كأنما هم صم لا يسمعون شيئا، أو عمي لا يرون شيئا - ويدل ذلك على أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيق الله وهدايته وترشيده - وهذا رد على القدرية قولهم: إن الإنسان قادر على فعل ما يريد - سواء في ذلك سلوكه سبيل الهداية أو سبيل الضلال.
[نص مكرر لاشتراكه مع الآية 42]