فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 2536

فهؤلاء لا يسمعون ولا يصدقون إلا بعد أن يبعثهم الله من قبورهم إلى الجزاء والحساب، وحينئذ يسمعون ويعون ويصدقون - أما قبل ذلك فلا سبيل لإسماعهم وإقناعهم لما يغشى قلوبهم من الأكنة وما يثقل آذانهم من الوقر 44.

قوله تعالى: {وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون (37) وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثلكم ما فرطنا في الكتب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون (38) والذين كذبوا بئايتنا صم وبكم في الظلمت من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صرط مستقيم} .

قوله: {وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه} يحكي الله جل جلاله مقالة المشركين السفهاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قالوا: لولا، أي هلا نزل، أي أنزل على محمد آية من ربه أي علامة تكون له حجة كأن ينزل عليه ملك يشهد له بالنبوة، أو يلقى إليه كنز يغنيه من الفقر أو تكون له جنة يأكل منها - وذلك بالرغم من كثرة ما رأوه من الدلائل الساطعة على صدق نبوة هذا الرسول الكريم - وعلى رأس ذلك كله هذا القرآن الحكيم المعجز الذي ما زال قائما للناس أبد الدهر عاجزين أن يأتوا بسورة من مثله - ثم أمر الله نبيه أن يقول لأصحاب هذه المقالة من المشركين المعاندين: {إن الله قادر على أن ينزل ءاية ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي أن الله قادر على إنزال آية أو حجة كما يريدون فهو سبحانه لا يعجزه شيء من ذلك {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي أن أكثر هؤلاء الضالين الفاسقين الذين يسألون مثل هذه الآية أو العلامة لا يعلمون ما سوف يحيق بهم من البلاء والاستئصال لو أنهم أنزل عليهم ما سألوه ثم لم يؤمنوا.

قوله: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثلكم} الدابة: كل شيء ماش على الأرض - من دب يدب دبيبا - أي سار سيرا لينا 45 وهذا الكلام مستأنف قد سيق لبيان كمال قدرة الله تعالى وحسن تدبيره وحكمته وإحاطة علمه الذي يشمل الأشياء والكائنات جميعا - وهو برهان قائم ظاهر آخر يكشف عن عظمة الله وعن قدرته البالغة وعن صدق نبوة هذا المبعوث الكريم - وذلكم البرهان هو أنه ما من دابة على اختلاف أنواعها، إذ تمشي على الأرض، ولا طائر يجوب الفضاء وهو يطير بجناحيه سابحا مطوحا في جو السماء {إلا أمم أمثلكم} أي هي جماعات مختلفة من أنواع الدواب والطيور كأمثالكم في أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم - فما تركهم سائبين هملا من غير عناية - وهم كذلك أمثالكم في الجريان على سنن الله وعلى تدبيره الرباني السديد، فضلا عن كونها دائمة التسبيح بحمد الله - وفي ذلك من الدلالة البلجة على عظمة الصانع وعلى وحدانيته ما يستنفر العقول للتفكر والإدكار.

قوله: {ما فرطنا في الكتب من شيء} التفريط: التقصير والتضييع والإغفال 46 والمراد بالكتاب فيه وجهان: أحدهما: أنه اللوح المحفوظ - فقد أثبت الله فيه علم الأولين والآخرين وكتب فيه كل ما يقع من حوادث منذ الأزل البعيد حتى الأبد الأبيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت