قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور) اسم الإشارة (تلك) في موضع رفع مبتدأ - وخبره (آيات الله) والمقصود بآيات الله القرآن - وقيل: آيات الله أي بيناته وحججه ومواعظه وعبره، ينزل بها جبريل عليك يا محمد (بالحق) : أي بالمعنى الحق، أو بالصدق واليقين - والله جلت قدرته، في قضائه بين العباد وفيما أعده للعصاة والفساق والمشركين والمتمردين من عذاب ونكال إنما هو حق وعدل؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدا مثقال ذرة، وهو جل شأنه من صفاته العدل فلا يريد للعباد أن يحيق بهم ظلم - وذلك مقتضى قوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) .
وقوله: (ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور) بعد أن ذكر الله أحوال المؤمنين وما أعد لهم من خيرات في الجنات، وأحوال الكافرين والمنافقين وأهل الأهواء وما أعد لهم من تحريق واصطلاء بالنيران اللاهبة المتأججة، وبعد أن نفى الله عن نفسه الظلم وأنه سبحانه لا يريد الظلم لأحد؛ لأن مستغن عن كل أحد بل عن العالمين جميعا - ودليل استغنائه المطلق هذا أنه له ملكوت كل شيء فهو مالك السماوات والأرض - وكل شيء في قبضته سبحانه في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد - يوم تصير الأشياء والخلائق والكائنات إلى الله الواحد القهار 196.
قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) الفعل كان في قوله: (كنتم) ناقصة - وبذلك فقوله: (كنتم) يحتمل المراد ثلاثة وجوه هي:
الأول: أنكم كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة.
الثاني: أن ذلك مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم وهم السابقون الأولون.
الثالث: أن هذه الآية عامة في جميع الأمة الإسلامية كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - وهو الراجح والصواب.
وقيل: كان هنا تامة - فيكون المعنى: وجدتم وخلقتم خير أمة 197.