فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه و سلم:"إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟
وذكر أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل، وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة.
وروي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت: أرأيت قوله تعالى: (جنة عرضها السماوات والأرض) فأين النار؟ قال:"أرأيت الليل إذا جاء ليس كل شيء فأين النهار"قال: حيث شاء الله - قال:"وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل"217 قال ابن كثير في تبيين ذلك: وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزمه من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه - وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل.
الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى معليين فوق السماوات تحت العرش وعرضها كما قال الله عز وجل: (كعرض السماوات والأرض) والنار في أسفل سافلين - فلا تنتفي بين كونها كعرض السماوات والأرض وبين وجود النار والله أعلم 218.
قال الإمام الرازي في بيان ذلك: والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم، والليل في ضد ذلك الجانب - فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل 219.
وينبغي التذكير بحقيقة معقولة وهي أن رحابة الوجود أو اتساعه لا يتحدد مداه بسعة السموات والأرض، فإن ما خلقه الله من وجود هائل ممتد لهو أكبر من حجم السماوات والأرض - وليس حجمهما إلا الجزء اليسير من حجم الوجود الكبير الذي تنطوي في خلاله الأشياء والخلائق جميعا ومنها السماوات والأرض.
قوله: (الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) هذه صفات للمتقين في قوله: (أعدت للمتقين) وتلكم هي الصفات.
الصفة الأولى: الإنفاق في السراء والضراء، أي في اليسر والعسر - وقيل: الرخاء والشدة، وقيل: الصحة والسقم - والظاهر ما جملته الغنى والفقر - فهم ينفقون من أموالهم في كل حال من أحوال الغنى والفقر أو الشدة والسعة.
الصفة الثانية: كظم الغيظ، أي رده في الجوف - يقال: كظم غيظه إذا اجترعه أو سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل 220 والغيظ هو أصل الغضب - وكاظم الغيظ الذي إذا ثار به الغضب كتمه ولم يعمل به - وذلك من أقسام الصبر والحلم وترفع النفس عن الانزلاق إلى مساءات الغضب.
وفي إطراء الكاظمين الغيظ وامتداحهم روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
وروى الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"ما تعدون الصّرعة فيكم"قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال:"لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب".