قوله: (يحسبه الظمآن ماء) جملة فعلية في موضع جر صفة لسراب أيضا 58 - أي يحسب العطشانُ المتلهفُ للماء هذا السراب ماء لفرط ما يجده من عُطاش - وكذلك الكافر الخاسر الذي عمل في دنياه من الصالحات وهو على غير الإيمان الصحيح - والإيمان الحقيقي الأكمل إنما هو ما تبين في قرآن الله الحكيم وسنة رسوله (ص) - ففيهما تتجلى حقيقة الإيمان السليم المتكامل بمعانيه المحددة الظاهرة، وأركانه المعلومة من غير ما نقصان ولا زيادة - فأيما نقصان أو زيادة في الإيمان وأركانه لا جرم أن يفضي ذلك إلى الكفر وحبوط الأعمال بالكلية - وهذه حال الكافرين والمنافقين من الناس الذين يقدمون الأعمال الصالحة ظانين أنها تنفعهم عند ربهم، أو تنجيهم من حسابه وعذابه - لكنهم واهمون مخذلون حين لا تنفعهم أعمالهم يوم القيامة - ومثلهم في ذلك كالعطشان يجد السراب أمامه ساربا متموجا فيظنه ماء.
قوله: (حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده) (شيئا) ، منصوب على المصدر 59؛ أي حتى إذا جاء إلى ما قدمه من عمل لم يجد ما كان يرجوه - بل لم يجد منه شيئا ووجد الله له بالمرصاد (فوفاه حسابه) وفاه الله جزاء عمله؛ إذ تعتله زبانية العذاب إلى جهنم حيث الحميم والغساق واللظى (والله سريع الحساب) ؛ لأنه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب - وقيل: لا يشغله حساب واحد عن حساب واحد غيره.
قوله: (أو كظلمات في بحر لجي) اللجي، الماء العميق الكثير - وهو منسوب إلى اللج واللّجة؛ أي معظم الماء والجمع لجج 60، والمراد به هنا معظم ماء البحر - وذلك مثل آخر ضربه الله لأعمال الكافرين التي يجعلها الله يوم القيامة هباء منثورا - فمثلها كمثل ظلمات في بحر زاخر مضطرب لا يُدرك مداه لعمقه واتساعه - ثم وصفه بقوله: (يغشاه موج من فوقه موج) هذا البحر هادر متلاطم مائج؛ فهو يعلوه موج، يتبع بعضه بعضا - ومن فوق الموج سحاب مرتفع كثيف - وذلك مشهد يكشف عن شدة الخوف تغشى القلوب الساربين وسط هذا البحر المخوف وهم تحيط بهم أهوال البحر بظلماته المتكاثفة المترادفة يعلو بعضها بعضا، وهو معنى قوله سبحانه: (ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها) وفاعل (أخرج) تقديره: الحاضر السارب في هذه الظلمات؛ فإنه إذا أخرج يده فيها لم يرها إلا بعد جهد، أو لم يقارب رؤيتها مما يسترها من كثيف الظلام المترادف المركوم - وهذه هي الحقيقة التي يقدمها الكافرون على اختلاف مللهم ومشاربهم وأهوائهم - الكافرون الذين جحدوا نبوة محمد (ص) وكذبوا بما أنزل الله عليه من كتابه الحكيم، أو كذبوا بعضا منه أو بعضا من أركان الإيمان المعروفة، أو الذين ارتابت قلوبهم في حقيقة الإسلام فأنكروا شيئا من حقائقه ومعانيه القاطعة؛ فإنه لا يجحد شيئا من عقيدة الإسلام أو أركانه أو أحكامه أو تعاليمه الثابتة إلا جاحد كفور أو ظالم مرتد - إن هؤلاء الكافرين جميعا لن يجعل الله يوم القيامة لأعمالهم وزنا أو قيمة أو اعتبارا - فما يقدمه هؤلاء المشركون المرتكسون في الكفر أو الردة ليس إلا الهباء المنثور الذي لا يغنيهم من عذاب الله شيئا.