إن الإسلام دين واضح متميز قائم على قواعد متينة من العقيدة الثابتة الصلبة، وعلى قواعد من القناعات والأفكار والتصورات التي تتحقق عن طريق الحجة الدامغة المكشوفة والمنطق القوي المستبين - فلا داعي بعد ذلك أن يُحمل الناس على الإيمان قسرا وقهرا؛ لأن ذلك سبيل الفارغين القساة الذين يقيمون حياتهم في الفكر أو الرأي أو المبدأ على أساس من التعصب الضيّق والأنانية المقيتة المنكمشة والتسلط الظالم الغاشم.
وثمة رأي ضعيف مرجوح حول هذه الآية بأنها منسوخة نسختها آية التكليف بمجاهدة الكفار والمنافقين، فضلا عن إكراه النبي (ص) العرب المشركين على الإسلام وقتالهم دون أن يرضي منهم غير الدخول في الإسلام - والصحيح أن هذه الآية غير منسوخة، بل إنها نزلت في أهل الكتاب خاصة - وهم لا ينبغي إكراههم على الإسلام إذا أدوا ما عليهم من جزية - والذين يُكرهون على الإسلام أو القتال دون قبول الجزية منهم هم عبدة الأوثان أو من كان على شاكلتهم من ملحدين وإباحيين - وأولئك لا يستوجبون التكريم والاعتبار؛ لأنهم باتوا بوثنيتهم وإلحادهم أولي عقول معطلة، وطبائع شاذة لا يروق لها غير الحماقة والضلالة والسفه.
وقوله: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) من اسم شرط مبني على السكون - (يكفر) فعل الشرط - (فقد استمسك) جواب الشرط، والفاء مقترنة به - والطاغوت من الفعل طغى يطغى، وهو مأخوذ من الطغيان، والطاغوت الكاهن والشيطان - وكل رأس في الضلال - وجمعه طواغيت وينسحب الطاغوت من حيث المراد به ليشمل كل سبب جرّ طغيانا - أو ما كان فيه إطغار للآخرين وإبعادهم عن صراط الله المستقيم - وذلك كشياطين الجن والإنس، ثم الأوثان التي يتصور المخدوعون جدارتها أو قدسيّتها سوء كانت الأوثان من الأحجار أو الأموال أو الحكام والساسة أو غير ذلك مما خلا الله سبحانه.
والآية تقرر في وضوح قاطع أن من ندّد بتلك الطواغيت ثم حاربها وأعرض عنها مع الإيمان بالله إلها خالقا قادرا منفردا بكل خصائص الإلهية والربوبية فقد اعتصم (بالعروة الوثقى) وهي الإسلام - ذلك الدين القويم المتين الكامل الذي جعله الله شريعة للناس يهتدون بهديه في هذه الدنيا - والتعبير بالعروة يشي بقوة هذا الدين وصلابته وكماله - يعزز ذلك قوله تعالى: (لا انفصام لها) أي أن هذا الدين في قوته ومتانته وصلابته وتماسكه وكماله أشبه بالعروة القوية من الحديث الصلب الذي لا يقبل الانكسار أو التهشيم.
قوله: (والله سميع عليم) الله جل جلاله يسمع ما تنطق به الشفاه والألسن، ويعلم ما تكنّه القلوب والنوايا من معتقدات ومكنونات وأسرار.
قوله: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) الوليّ معناه الناصر - فالذين آمنوا وليّهم الله، لكن الذين كفروا وليّهم الطاغوت وهو الشيطان وأتباعه الذين يجتالون الناس عن صراط الله وعن منهجه الحق إلى حيث الضلالة والفسق والتمرد والجحود.