فهرس الكتاب

الصفحة 1677 من 2536

قوله: {ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} (متابا) منصوب على المصدر - وهو مصدر مؤكد - وأصل متاب، متوب، قلبت الواو ألفا فصارت متابا 58 وتاب متابا؛ أي تاب حق التوبة وهي التوبة النصوح - ومتابا مصدر معناه التأكيد - أي فإنه يتوب إلى الله حقا - كقوله: (وكلم الله موسى تكليما) وذلك وعد من الله للتائبين المنيبين إلى ربهم والذين يتبعون إيمانهم وتصديقهم بالطاعات وفعل الصالحات؛ فإنهم تائبون حق التوبة - وهي التوبة الصادقة المتقبلة 59.

قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزوجانا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) } هذه بضع من الصفات الجليلة لعباد الرحمن - فهم (لا يشهدون الزور) والزور في اللغة بمعنى الكذب - ازورّ عن الشيء ازورارا؛ أي عدل عنه وانحرف 60 وجاء في تأويل الزور في الآية عدة أقوال منها: أنه الشرك - وقيل: أعياد أهل الذمة - وقيل: الغناء - وأظهرها أنه الكذب - والمعنى: أن المؤمنين لا يحضرون مجالس الكذب والباطل - ويحتمل أن يكون معنى الزور إقامة الشهادة الباطلة - فيكون المعنى أنهم لا يشهدون شهادة الزور.

قوله: (وإذا مروا باللغو مروا كراما) منصوب على الحال من واو (مروا) 61 اللغو، كل كلام أو فعل باطل أو سقط لا أصل له ولا حقيقة - فيدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك مما يستقبح من القول - ويدخل فيه كذلك سفه المشركين، وأذاهم المؤمنين - وكذلك ذكر النساء بالسفه من القول - فإذا مر المؤمنين بشيء من ذلك فسمعوه أو رأوه (مروا كراما) أي أعرضوا عنه منكرين، لا يرضونه ولا يجالسون أهله - بل يكرمون أنفسهم بالترفع عن مجالسة أهل اللغو من فارغ القول وسقط الكلام.

قوله: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا} وهذه صفة أخرى من صفات المؤمنين الذين هم عباد الرحمن؛ فإنهم إذا سمعوا التذكرة من المواعظ والحجج والأدلة، أو سمعوا آيات الله تتلى عليهم، فإنهم لا يتغافلون عنها ولا يعرضون عن الاتعاظ بها - ولكنهم يتذكرون ويعتبرون وتغمرهم العظة والخشية من الله؛ فهم ليسوا كالكافرين والفاسقين أولي القلوب الغُلْف والآذان الصم الذين لا يتعظون ولا يزدجرون - وهو قوله سبحانه: (لم يخروا عليها صما وعميانا) أي لا يتغافلون عنها كأنهم صم لا يسمعون الموعظة أو السداد من القول، أو عمي لا يبصرون الحق والهدى؛ فإنهم إذا تليت عليهم آيات الله وجلت قلوبهم فوقعوا ساجدين بُكاة ولم يقعوا صمّا وعميا.

قوله: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) فإن من صفات المؤمنين: الدعاء إلى الله والتضرع في تذلل وخشوع - لا جرم أن مزية الدعاء كبرى المزايا التي تتجلى في المؤمنين الصادقين المنيبين - وهؤلاء هم عباد الرحمن الذين يسألون الله جل وعلا أن يهبهم الأزواج الصلحاء والذرية المؤمنة الطائعة ذات الإيمان الراسخ والخلق الحميد ليكونوا لهم (قرة أعين) و (قرة) في الآية منصوب على المفعولية - وذلك من القرار، وهو بحصول السكينة والسرور والرضى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت