فالآية تفيد أنه ليس من لطف الله أن يذم المؤمنين أو يؤاخذهم باستغفارهم للمشركين قبل أن يبين لهم أن ذلك غير جائز - ولكن الله جل وعلا إنما يذم من استغفر للمشركين بعد التبيين.
قوله: {حتى يبين لهم ما يتقون} أي يبين لهم بالوحي ما يجب اتقاؤه من المناهي والمحظورات.
قوله: {إن الله بكل شيء عليم} الله عليم بجميع الأشياء، ومن جملة ذلك حاجة المؤمنين إلى البيان؛ فيبين الله لهم - وهو كذلك عليم بصلاح قلوب المؤمنين المستغفرين للمشركين قبل نزول النهي عن ذلك.
والله عز وعلا له القدرة المطلقة البالغة وهو ذو القوة والجبروت والملكوت، مالك كل شيء - وهو قوله: {له ملك السموات والأرض} .
قوله {يحي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} الله جل جلاله من أعظم تصرفاته الإحياء والإماتة؛ فهو سبحانه موجد الأحياء بعد موات ثم هو سبحانه مميتهم لدى انتهاء آجالهم - وقيل: هذا إشارة إلى أنه يجب على المؤمنين أن لا يجزعوا من عدوهم وإن كان كثيرا، وأن لا يهابوا أحدا - فما الموت المخوف ولا الحياة المقدورة إلا بيد الله؛ فليس للمؤمنين أن يرجوا لأنفسهم الولاية أو النصر من المخاليق - وإنما يرجون ذلك من الله وحده فهو خير ولي وأعظم نصير 216.
قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} .
قيل في هذه الآية إنها نزلت في غزوة تبوك؛ وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، وذلك في سنة مجدية، وحر شديد، وعسر من الزاد والماء - قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، حتى لقد ذكر لنا إن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها.
وذكر عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بت الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر ابن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إذا كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه - فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا - فقال: (تحب ذلك؟) قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعها حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت، فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر 217.