فهرس الكتاب

الصفحة 1337 من 2536

قوله: (وجعل لكم من الجبال أكنانا) ، الأكنان، والأكنة، جمع ومفرده كنان بالكسر - وهو وقاء كل شيء وستره - واستكن، استتر - كن الشيء، أي: ستره وصانه من الشمس - وأكنه في نفسه؛ أي: أسرّه - والكن بالضم، بمعنى: الستر - والأكنة: الأغطية 94 - والله يمن على عباده أن جعل لهم من الجبال أماكن يسكنون بها ويستترون، وذلك كالغيران والكهوف والبيوت المنحوثة - جعلها الله عدة للناس عند الحاجة، فيأوون إليها ويتحصنون بها من الرياح والمطر والحر، ويعتزلون بداخلها عن الناس - وها هو رسول رب العالمين، سيد الأولين والآخرين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أوى إلى كهف في حراء للتحنث 95، ثم من بعده في ثور في طريقه مهاجرا إلى مكة.

قوله: (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) ، السرابيل، جمع ومفرده السربال، وهو القميص المتخذ من القطن أو الكتان أو الصوف - وقد اكتفى بذكر الحر في الآية؛ لأن العلم بأحد الضدين وهو الحر، يستلزم العلم بالضد الآخر وهو البرد.

قوله: (وسرابيل تقيكم بأسكم) ، البأس معناه الشدة - والمراد بها ههنا: شدة الطعن والضرب والرمي - والسرابيل التي تدرأ أذى المعتدين عمن يلبسها، يراد بها: الدروع من الحديد - وهذا يدل على اتخاذ العدة للجهاد للاستعانة بها على قتال الأعداء - ولا مساغ للمسلم أن يستسلم للهوان والطعن والضرب من غير أن يحتاط لنفسه تمام الحيطة، وأن يتخذ لذلك عدته من لبس لأمة 96 الحرب.

قوله: (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) ، الكاف في اسم الإشارة، صفة لمصدر محذوف؛ أي مثل ذلك الإتمام يتم الله نعمته عليكم - فمثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم؛ فإنه يتم عليكم نعمة الدنيا والدين، (لعلكم تسلمون) بضم التاء، وهو قول أكثر المفسرين؛ أي: تخلصون لله الربوبية، وتستسلمون لأمره، وتبادرون لطاعته شكرا لنعمه عليكم.

قوله: {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} ، إن أعرضوا عن دعوة الله بعد ما تبين لهم أنها الحق، وأبوا إلا اللجوج في الشرك، ومتابعة الآباء والأجداد في كفرهم وعصيانهم ونكولهم عن عقيدة التوحيد، وبعد الذي بيناه لهم من الدلائل والبراهين، فما عليك بعد ذلك من بأس - إن عليك إلا التبليغ، وعلى الله الحساب.

قوله: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) ، اختلف المفسرون في المراد بنعمة الله - فقد قيل: جميع ما ذكر الله في الآيات المتقدمة من أنواع النعم؛ فهم يعرفونها ويقرون بجزيل منافعها، وهم مع ذلك ينكرونها؛ إذ يقولون: إنهم ورثوا ذلك عن آبائهم - وقيل: يعرفون نعمة الله بتمتعهم فيها، وينكرونها بترك الشكر عليها - وقيل: يعرفونها بأقوالهم وينكرونها بأفعالهم - وقيل: يعرفونها بقلوبهم ويجحدونها بألسنتهم.

قوله: (وأكثرهم الكافرون) ، عبّر بالأكثر عن الكل؛ فكلهم جاحدون لنعم الله، أو كافرون به - وقيل: أراد بالأكثر العقلاء، وهم المكلفون دون الأطفال والمجانين 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت