قوله: {ولئن قلت إنكم مبعوثين من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} لئن بينت لهؤلاء المشركين الضالين أنهم مبعوثين من قبورهم يوم القيامة، وأنهم موقوفون على ربهم ليلاقوا الحساب والجزاء؛ فلسوف يكذبونك ويجحدون ما جئتهم به من خبر البعث ويقولون منكرين مستكبرين: {إن هذا إلا سحر مبين} {إن} ، نافيه بمعنى ما، والإشارة إلى القرآن الكريم؛ فهو الحاكم بحصول البعث، فطعنوا فيه بكونه سحرا ليدحضوا القول بالبعث.
وقيل: المراد بالإشارة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد تقولوا عليه بأنه ساحر وليس الساحر إلا كاذبا؛ فهم بذلك يقصدون تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
قوله: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة لقولن ما يحسبه اللام في {لئن} للقسم - وجوابه {ليقولن ما يحسبه} والأمة تعني الحين أو الأجل المعلوم، أو المدة من الزمن - والمعنى: لئن أمسكنا العذاب عن هؤلاء المشركين فلم نعجله لهم، وأنسأنا لهم في آجالهم إلى الحين معلوم؛ فلسوف يقول هؤلاء المشركون: {ما يحسبه} يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء والاستعجال، وتكذيبا للمتوعد.
{ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم} أي يوم يأتيهم العذاب من الله، فليس من أحد يدفعه عنهم أو يصرفه {وحاق لهم ما كانوا به يستهزئون} أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه 12.
قوله تعالى: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناه منه إنه ليئوس كفور 9 ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح فخور 10 إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة واجر كبير} اللام في {ولئن} موطئة لقسم مقدر، وليست جوابا للقسم - وإنما جوابه قوله: {إنه ليئوس كفور} وأغنى جواب القسم عن جواب الشرط 13 - والمعنى: لئن مننا على الإنسان برحمتنا فبسطنا عليه من رخاء العيش وسعة الرزق ثم سلبنا ذلك كله منه بما اجتاحه من المصائب {إنه ليئوس كفور} ينقلب يائسا قنوطا شديد الكفران، يجحد نعمة ربه فلا يشكرها - وذلك هو ديدن المشركين والمنافقين والخائرين من ضعفه المسلمين الذين يعبدون الله على حرف فإن أصابتهم نعمة طاروا بها فرحا، وإن أصابهم بلاء استيأسوا من رحمة الله وجحدوا -مبادرين- نعمته وفضله، ونسوا ما من الله به عليهم قبل ذلك من الخير.
قوله: {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولون ذهب السيئات عني} لئن من الله على الإنسان بالنعمة من بسطه العيش والرزق بعد ما أصابه العسر والشدة وضيق العيش، فلسوف يقول -مباهيا مسرورا- ذهب عني الضيق والعسر، وزالت عني الشدائد والمكاره {إنه لفرح فخور} فرح وفخور، كلاهما مبالغة في الفرح والفخر، وذلك هو ديدن المشركين والمنافقين والخائرين من ضعقة المسلمين، إذا أصابهم الرخاء بعد الشدة، أو الغنى بعد الفقر، أو العسر بعد اليسر؛ فإنهم إذ ذالك يغمرهم السرور البالغ، وتستحوذ عليهم البهجة العاصفة، فيهتفون هتاف المفاخر الجذلان بشدة فرحهم وسرورهم.