قوله: {وَلَكِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} {مَّا} ، في موضع رفع على الابتداء - وتقديره: ولكن ما تعمدت قلوبكم يؤاخذكم به - وقيل: في موضع جر بالعطف على {مَّا} في قوله تعالى: {فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} 7
والمعنى: ولكن الإثم والحرج عليكم فيما نسبتموه إلى غير أبيه، وأنتم تعلمون أنه ابن لغير ما تنتسبونه إليه.
قوله: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الله يستر الذنب على من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول، وكذلك يستره على من ادعى ولد غيره ابنا له، إذا تابا وأنابا وانتهيا عن قول المنكر والزور من الكلام - الله جل وعلا يتجاوز بفضله عن سيئاتهما ويرحمهما برحمته فلا يعاقبهما على ما بدر منهما بعد توبتهما 8.
6 - (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)
قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا}
يبين الله م كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من بالغ الشفقة والرحمة بأمته وما كان عليه من شديد الحرص عليهم والنصح لهم - لا جرم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد العالمين حدبا ورأفة واهتماما بالمسلمين، بل بالبشرية كافة - وهو عليه الصلاة والسلام حريص على هداية الناس وإيمانهم؛ لكي يستقيموا وتصلح حالهم، فتكتب لهم النجاة والسلامة والصلاح في الدنيا والآخرة؛ فهو بذلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم فضلا عن كونه أولى بهم من غيرهم، فوجب على المسلمين بذلك أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم؛ وأن يقدموه فيما دعاهم إليه، ويؤخروا ما دعتهم إليه أنفسهم، وأن يحبوه أعظم الحب أكثر من حبهم أنفسهم - وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين"وكذلك جاء في الصحيح أن عمر (رضي الله عنه) قال: يا رسول الله والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي فقال صلى الله عليه وسلم:"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك"فقال: يا رسول الله لأنت أحبُّ إلي من كل شيء حتى من نفسي - فقال صلى الله عليه وسلم:"الآن يا عمر".
وروى البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة - اقرؤوا إن شئتم {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا - وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه".
وأخرج الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"أنا أولى مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا فإليّ، ومن ترك مالا فهو لورثته".