فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 2536

وقوله: (كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) مثلما أراهم الله العذاب فتمنوا أن يتبرأوا من معبوديهم في كرة أخرى، فإن الله يريهم أيضا أعمالهم حسرات عليهم أي أنهم يرون أعمالهم الفاسدة يوم القيامة فتأخذهم الحسرة وهي الندامة الشديدة والتلهف البالغ - ولسوف يرون العذاب القارع المروع فجأة حتى يُسقط في أيديهم وتتقطع قلوبهم وجلا ثم يساقون إلى النار فيمكثون دائمين ما بقي الزمان (وما هم بخارجين من النار) وقوله في الآية: (كذلك) الكاف في محل رفع على الابتداء - وتقديره: مثل ذلك الإراء الفظيع (يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم) أي ندامات وتلهفات - والإراء هنا من رؤية البصر فيكون الفعل (يريهم) متعديا لمفعولين وهما الهاء في يريهن - والثاني (أعمالهم) - فتكون حسرات منصوبة على الحال - وقيل: من رؤية القلب، فتكون حسرات مفعولا به ثالثا 159.

قوله تعالى: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إله لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) .

وذلك إرشاد من الله للناس وتوجيه لهم أن يأكلوا من خيرات الأرض (حلالا) وسمي الحلال بذلك؛ لانحلاله من عقدة الحظر (المنع) أما الطيب فمعناه الحلال.

وقد جاء المعنى مكررا للتأكيد - وقيل معناه المستطاب المستلذ في نفسه، وهو ما كان غير ضار للأبدان أو العقول.

ومن أشد وجوه الشر التي يقارفها الإنسان في حياته أن يأكل غير الحلال من الطعام مما حرمه الشرع، ونهى عنه كالربا والغلول والرُّشا وغير ذلك من أوجه المال الخبيث - وهو مال يثقل به كاهل الإنسان المعتدي؛ لما يحمله من أوزار الاعتداء على أموال الناس بالباطل - وقد روي عن ابن عباس أنه لما تليت هذه الآية قام سعد بن أبي وقاص وقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال:"يا سعد أطبْ مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يُتقبل منه أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به".

وقوله: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) خطوات الشيطان هي طرقه ومسالكه التي تقود إلى الشر والمعصية وتفضي إلى النار - وما من شك أن الشيطان عدو ظاهر أكبر للإنسان يحرفه عن مسار الحق وعن صراط الله ومنهجه القويم السليم، وهو كذلك الذي يزلقه إزلاقا ليبوء بالخسران الكبير في هذه الدنيا حيث الشقوة والمعاناة والمضانكة، ثم ليهوي أخيرا في جهنم وذلكم هو الخسران المبين.

وقوله: (إنما يأمركم بالسوء والفحشاء) وذلك هو دأب الشيطان، أن يحفز الناس للأعمال السيئة ويوحي إليهم في ترغيب مستديم بفعل المنكرات والفواحش من خلال مسالك ملتوية، وذلك هو ديدن الشيطان الخبيث المتدسس وهو يلج إلى مداخل النفس الإنسانية ليسول لها السوء والفحشاء - والسوء أو المساءة أو السيئة كل مخالفة عن أمر الله، أو اقتراف لمعصية من المعاصي ما يقود أخيرا إلى سوء العاقبة.

والفحشاء لغة القبح، والفاحش كل شيء جاوز الحد، ومنه الغبن الفاحش وذلك إذا جاوزت الزيادة ما يعتاده الناس 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت