فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 2536

قالت بلقيس - هذه المرأة الحازمة الفطنة- للملأ وهو أشراف قومها: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي} أي أشيروا علي في أمري من شأن هذا الكتاب الذي ألقي إلي وهو مرسل من سليمان {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} أي لم أكن لأقضي أمرا في شأن ذي أهمية كهذا حتى تحضروا إلي فأشاوركم فيه.

وهذا دليل حزمها ورجاحة عقلها؛ إذ تعبأ بالمشورة لتخلص إلى الرأي السديد - وما يطلب المشورة من أهل النهى والنظر إلى العقلاء الحازمون من الناس، الذين يبتغون لأنفسهم وأمتهم السلامة والخير - ولا يستكبر على قومه وأهل النظر فيهم فينفر من مشاورتهم إلا الجاهلون والسفهاء والمستكبرون.

قوله: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} كان جواب قومهم وأشرافهم: نحن أقوياء وأشداء ومقتدرون على القتال ومواجهة من تريدين {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} يعني الأمر في كل الأحوال راجع إليك وما تقولينه من أمر وقرار، فانظري من الرأي ما ترينه صواب ثم مرينا به لنأتمر بأمرك ولا نني.

قوله: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} قالت بلقيس لمن حولها من الحاشية والأشراف عقب عرضهم أنفسهم عليها لقتال سليمان: إن الملوك إذا دخلوا بلدا أو مدينة عنوة وقهرا {أَفْسَدُوهَا} بالقتل والتخريب والإذلال - وهو قوله: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} أي أهانوا أشرافها وكبراءها فجعلوهم أذلة مقهورين {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} هذا من قول بلقيس، تأكيدا لما قالته عن إفساد الملوك لما يحتلونه ويقهرونه من البلاد والعباد.

وقيل: هذا من قول الله، إذ يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم وأمته ما يفعله الملوك إذ غلبوا أهل القرية ودخلوها عنوة، وإنما يفعل ذلك من الملوك الذين يحكمون بشرائع الضلال والجاهلية، الشرائع القائمة على الظلم والشر والباطل، والتي تسوّل للساسة والأمراء والملوك الطغاة أن يفعلوا الآثام والمنكرات والمعاصي - أولئك هم ملوك الضلال والباطل الذين يشاقون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، ويسوسون الناس بغير ما أنزل الله بل يسوسونهم بالكفر وأنظمة الجاهلية، ويقودونهم بالبطش والتنكيل - أما الملوك الذين يخشون ربهم يحكمون الناس بشريعة الله، شريعة العدل والفضل والرحمة والاستقامة - فأولئك لا يفسدون البلاد ولا يسعون في خرابها وتدميرها بل ينشرون فيها الخير والفضيلة والهداية - ويرسخون فيها العدل والرحمة والاستقرار.

قوله: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} - جنحت بلقيس في هذا إلى المصانعة والمراوغة والمسالمة؛ لترى ماذا تكون عليه النتيجة لو أرسلت بهدية إلى سليمان - ويدل ذلك على ما تتسم به هذه المرأة من فطانة وبراعة وثاقب نظر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت