فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 2536

وقوله: (وترزق من تشاء بغير حساب) جاء في تأويل ذلك: إن الله تعالى يعطي من يشاء من خلقه فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه؛ لأنه لا يخاف دخول انتقاص في خزائنه ولا الفناء على ما بيده - وقيل: يعطي من يشاء ما يشاء لا يحاسبه على ذلك أحد؛ إذ ليس فوقه ملك يحاسبه، بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب، وقيل: ترزق من تشاء غير مقدور ولا محدود، بل تبسطه له وتوسعه عليه، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب إذا وصف عطاؤه بالكثرة 64.

قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) .

ورد في سبب نزول هذه الآية جملة أقوال منها قول ابن عباس إنه كان الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن وزيد، وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقيل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه و سلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.

وذكر عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدريا نقيبا وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه

وسلم يوم الأحزاب قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) 65 نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء وأعوانا وأنصارا ليسروا إليهم بالمودة من دون المؤمنين - وقوله: (أولياء) جمع ومفرده الولي ومعناه: المحب والصديق والنصير والصاحب والحليف والتابع، والولاء والموالاة ضد المعاداة والولاية بالفتح والكسر بمعنى النصرة 66.

وجملة المراد من هذه الآية نهي المؤمنين عن موالاة الكافرين أو اتخاذهم أعوانا وأنصارا من دون المؤمنين، لا جرم أن موالاة المؤمنين للكافرين واتخاذهم بطانة لهم مع مسارّتهم والدنو منهم في إطار من التحالف والصداقة والحب لهو ضرب من ضروب النفاق المكشوف، وأنه ظاهرة من ظواهر التهافت المسف الذي يفضي إلى تقليد للكافرين في عاداتهم وأخلاقهم وسلوكهم، وتلك مدعاة للانخلاع - في الغالب- من ربقة الإسلام شيئا فشيئا بما يولج المتهافت الخائر في زمرة الشرك والمشركين والعياذ بالله!.

لا مساغ بحال، في الأحوال العادية أن يوادع المسلم الكافرين على حساب المسلمين فيلاطفهم ويظاهرهم على المسلمين.

لا مساغ للمسلم أن يكون على هذا النحو من الضعة والإسفاف والخور، وهو في كل الأحوال يعلم أن العزة لله جميعا، فالله هو المعز والمذل، وأن الملك كله بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، وأن الله هو الرازق وهو الباسط وهو المانع وإليه يرجع الأمر كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت