قوله: {حَتَّى إِذَا جَاؤُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} يعني إذا جاء من كل أمة فوج من الجاحدين الذين كذبوا بآيات الله فسيقوا جميعا إلى الرحمن، سألهم سبحانه {أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي} استفهام على سبيل التوبيخ والتقريع؛ أي أكذبتم بحججي وأدلتي التي أنزلتها إليكم من غير أن تعرفوها حق المعرفة، وأنتم لا تعلمون ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذبتم بها جاهلين غير ناظرين فيها.
قوله: {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي ما الذي كنتم تعملونه حتى شغلتم عن النظر والتفكير في آيات الله وبيناته؟
قوله: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا} أي وجب عليهم العذاب بسبب شركهم وإعراضهم عن دين الله {فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ} أي لا ينطقون بعذر ولا حجة يدفعون بها عن أنفسهم ما حاق بهم من العذاب - وقيل: نختم على أفواههم فلا ينطقون.
قوله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} ألم ير هؤلاء المكذبون بآيات الله كيف يصرف الله الليل والنهار؛ إذ جعل الليل سكنا لهم يهجعون فيه ويسكنون هادئين مرتاحين، وجعل لهم {النَّهَارَ مُبْصِرًا} أي يبصرون فيه الأشياء ليسعوا في الأرض طالبين الرزق وأسباب العيش.
قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الإشارة عائدة إلى تصيير الليل للسكون والراحة، وجعل النهار للعمى والسعي والاسترزاق، أي فيما بين الله لعباده من ذلك لدلالة ظاهرة للناس على إلهية الله سبحانه وعلى بالغ قدرته لكي يصدقوا ويستيقنوا - وقد خصّ المؤمنين هنا بالذكر؛ لأنهم أكثر الناس انتفاعا بالآيات البينات والدلائل الظاهرات لمبادرتهم التصديق والثقة والاستيقان 49.
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} .
ذلك إخبار مذهل عن أحداث القيامة وما فيها من أهوال وبلايا - وبين يدي ذلك كله نفخة الفزع المروع الأكبر - الذي ترتجف بفظاعته القلوب وتوجل من شدته الخلائق في السماوات والأرض، وهو قوله: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ} يوم، منصوب بفعل مقدر، وتقديره: اذكر يوم ينفح في الصور 50، و {الصُّورِ} ، هو القرن على هيئة البوق وهو من نور ينفخ فيه إسرافيل بأمر من الله.