قوله: {قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} طلب إبراهيم من ربه أن تكون الإمامة في ذريته من بعده؛ فيكون النبيون جميعا من بعده من نسله - فأجابه الله سبحانه بأنه {لا ينال عهدي الظالمين} والظالمين مفعول به للفاعل {عهدي} والعهد بمعنى النبوة - وقيل: الأمر، ويطلق العهد على الأمر أي لا ينبغي أن يلي الظالم من أمري شيئا - وقيل: العهد بمعنى الإمامة أو الاستخلاف - أي من كان ظالما من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال الإمامة والاستخلاف من كان عادلا مبرأ من كل صور الظلم وعلى هذا؛ فالإمام إنما يكون من أهل العدل والفضل والإحسان - أما أهل الفسوق والجور والفساد فليسوا أهلا لتولي إمامة المسلمين - وكيف يصلح لهذه المهمة العظيمة من كان جائرا فاسقا لا تقبل شهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدم للصلاة؟! وإذا ابتلي المسلمون بإمام جائر فإن الصبر على طاعته أولى من الخروج عليه إن كان في منازعته والخروج عليه ما يثير الفتن والشر المستطير كإشاعة الفساد وإراقة الدماء وإغراق البلاد في الفوضى وخطر التدخل من الكافرين 111.
وخلاصة القول في هذه العبارة الكريمة أن الله تفضّل بالاستجابة لطلب إبراهيم أن تكون الإمامة والنبوة في عقبه المؤمنين الصالحين على ألا يتولى أمر الله أحد من الظالمين من ذريته علما بأن في ذرية إبراهيم ظالمين كثيرين، وأمثال هؤلاء ليس لهم أن يكون أحدهم إماما فإن الإمام ينبغي أن يكون مؤمنا صادقا، وعلى ملى التوحيد والحنيفية ماضيا.
قوله: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} البيت هو الكعبة - والمثابة بمعنى المرجع من الفعل ثاب يثوب - فقد جعل الله الكعبة مرجعا للمسلمين جميعا تهوي إليه قلوبهم دائما، وتتشوف لرؤيته على الدوام أرواحهم حتى إن الواحد يحج البيت ثم ينصرف وهو يحس إحساسا عميقا رغبته في الإياب إليه من جديد؛ إذ لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا - والمقصود من الآية أن الله يذكر شرف البيت؛ إذ جعله مرجعا تشتاق له أرواح المسلمين وتحنّ إليه قلوبهم على مر الزمن حتى إنها لا تقضي منه الوطر ولو ترددت إليه كل عام.
وكذلك قد جعل الله الكعبة للناس أمنا، فهي مصدر أمن وسلام وطمأنينة لمن يعوذ بها أو يثوي إليها - ومعلوم أن العرب خارج البيت العظيم كانوا يقتتلون فيما بينهم ويتخطف بعضهم بعضا طمعا في مغنم أو رغبة في تسلط قبلي يقوم على العصبية السخيفة، لكن الذين يثوبون إلى البيت كانت تظللهم أجنحة الرحمة والأمان، فلا يمسهم شيء من أذى أو سوء - حتى قيل: إن الحد لا يقام على من لجأ إلى الحرم - وهو قول أبي حنيفة وآخرين - وقيل: بل يقام الحد عليه؛ لأن الحكم الأول منسوخ.
قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} مقام إبراهيم موضع خلاف المفسرين، لكننا نعتمد القول الذي نطمئن إليه فنرجحه وهو ما كره البخاري أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت وغرقت قدماه فيه - قال أنس: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم - وقيل: إنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم.