أما حقيقة الكلمات على التفصيل والتي ابتلى الله بهن إبراهيم فهن موضع كلام طويل ومختلف للمفسرين - ولعل أصوب ما ورد في ذلك هو قول الحبر العظيم ابن عباس: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذا في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلاف، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتُلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له: {أسلم قال أسلمت لرب العالمين} على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
هذا القول الجامع لابن عباس يكشف عن أمهات قواصم من التكليفات المزلزلة التي نيطت بإبراهيم عليه السلام، فنجح فيها نجاحا يكشف عن حقيقة هذا الإنسان العظيم الفذ - الإنسان الذي عجمه الله بأفدح البلايا والشدائد، فما لان ولا استكان، بل مضى لأمر الله ملبيا حتى وفّى تمام الوفاء.
ويا لله لهذا الإنسان الوفي العظيم الذي يُقبل في استسلام لله وطواعية أن يُلقى في النار بعد أن وثقه قومه بالقيود والأغلال، فظل صابرا محتسبا رابط الجأش فما تراجع ولا انثنى عن عقيدته ودينه ولا كرّ مهزوما في نفسه متقهقرا ليعود إليهم مستسلما معتذرا كما يفعل الضعفاء والمهزومين في الكروب وفي ساعات الضيق والعسرة.
ويا لله لإبراهيم الخليل وهو يوحَى إليه في المنام بذبحه ولده!! فما تلعثم ولا انثنى، بل، بل قص على ولده خبر الرؤيا، فأجابه ولده في بر وطاعة وامتثال: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .
إن الكلمات لتعجز بالغ العجز عن إيضاح الصورة لهذا الحدث المثير الجلل - وهو حدث لا يقوى على طوقه واحتماله إلا من كان كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.
إن أحدنا يشق عليه أن يضرب ولده في قسوة وتبريح حتى وهو يؤدبه، فكيف به وهو يضع السكين على عنقه ثم يحزها حزا ليقطعها!
ذلك الذي لا تبلغه طاقات الإنسان مهما تجمع فيه من مذخور العزيمة وقوة الاحتمال، لكن النبيين المرسلين صنف آخر من البشر المتميز الرفيع، يرقون إلى عظيم الدرجات التي لا ينثنون عندها عن أي تكليف من ربهم، وفي الطليعة من النبيين المرسلين هذا النبي الصابر الجليل إبراهيم الخليل.
قوله: {إني جاعلك للناس إماما} الإمام القدوة الذي يؤتم به؛ لفضله ومزاياه الخاصة، ولما أوتيه من خصائص في الثبات والاستقامة والطاعة والامتثال لأمر الله - وعلى ذلك فإنه عليه السلام جدير أن يجعله الله للناس جميعا إماما فيما بيناه ليقتدي به الآخرون في كل زمان ومكان.