فهرس الكتاب
الاستفهام للإنكار - والمراد المشركون الظالمون الذين يعتدون على المسلمين بالصد والأذية والفتنة - فيقول الله لهم في توعد وتهديد: أفأمن هؤلاء الظالمون (الذين مكروا السيئات) (السيئات) صفة لمحذوف؛ أي الذين مكروا المكرات السيئات - والمراد بمكرهم هنا سعيهم في إيذاء رسول الله (ص) وفتنة المسلمين وتعذيبهم؛ لإغوائهم واجتيالهم عن دينهم - من أجل كيدهم وتمالئهم ومكرهم بالنبي والذين معه من المؤمنين؛ فقد توعدهم الله بجملة نزاول أولها: (أن يخسف الله بهم الأرض) وخسف المكان معناه الذهاب به في الأرض؛ وخسف الله بهم الأرض أي غاب بهم فيها كما خسف بقارون؛ إذ خسف الله به وبداره الأرض 48.
وثانيهما: (أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) المراد أن يأخذهم عذاب الله بغتة فيهلكهم من حيث لم يحتسبوا، كما فعل بقوم لوط وغيرهم ممن أتاهم أمر الله بالعذاب فجأة.
وثالثها: {أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين} والتقلب معناه السفر - أي يأخذهم الله بالإهلاك في أسفارهم وتصرفهم حال كونهم آمنين مطمئنين (فما هم بمعجزين)
أي لا يعجزون الله أن يفعل بهم ذلك إن أراج أن يأخذهم.
ورابعها: (أو يأخذهم على تخوف) التخوف من الخوف - وكيفية ذلك: أن لا يأخذهم الله بالعذاب مرة واحدة - بل يخفيهم أولا، ثم يأخذهم بالعذاب - وذلك أن يأخذ طائفة فتخاف التي تليها، ثم تظل زمانا طويلا في الخوف والوحشة تنتظر الهلاك.
وقيل: التخوف معناه التنقص - تخوفت الشيء وتخيفته إذا تنقصته - والمراد به هنا: ما يقع في أطراف بلادهم من النقص في الأموال والأنفس والثمرات - ويأخذهم على تخوف أي على تنقص من أنفسهم وأموالهم وأرضهم - كقوله تعالى: (أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) أي أن الله لا يعاجلهم بالعذاب؛ بل ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم 49.
قوله: (فإن ربكم لرؤوف رحيم) ويدل على رحمة الله ورأفته بالعباد: إمهاله إياهم؛ إذ لا يعاجلهم بالعذاب فيبعث فيهم النبيين هداة مبلغين ليعظوهم ويحذروهم ويبينوا لهم سبيل الهداية والحق.
قوله تعالى: {أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيّؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50) } الاستفهام للإنكار - وما، اسم موصول مبهم، فسره قوله: (من شيء يتفيؤا ظلاله) والضمير في (يروا) عائد إلى الذين مكروا السيئات؛ لأن الإخبار عنهم؛ فهو يستنكر عليهم ترك النظر في أدلته والاستفادة منها والاعتبار بها - والمراد بالشيء ما له ظل من جبل أو شجر أو بناء أو جسم قائم - و (يتفيؤا ظلاله) ، من الفيء، يقال: فاء الظل يفيء فيئا: إذا رجع وعاد بعد ما نسخه ضياء الشمس - وأصل الفيء الرجوع.
ويتفيأ ظلال؛ أي يميل من جانب إلى جانب، فيكون أول النهار على حال ويتقلص، ثم يعود في آخر النهار على حالة أخرى.