وترد في السورة قصة النبي العظيم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهو يحاور الملك العاتي المتجبر الذي رفض الإقرار لله بالألوهية فاصطنعها لنفسه، وقد حاجه إبراهيم في حوار صارم أسفر عن إفلاس هذا الملك الفاسد الضال الذي أصيب بالبهت بعد أن تخاذل وتقهقر ولم يستطع الرد أمام الحجة الصادعة القوية، ثم ذلك الذي مر في طريقه على قرية قيل أنها بيت المقدس، فألقاها هامدة خاوية على عروشها فتساءل في نفسه حائرا (أنى يحي هذه الله بعد موتها (فقضى الله عليه بالموت مائة عام ثم بعثه، ليكون بذلك آية للناس، وليعلم أن الله قادر على بعث الموتى وأنه على كل شيء قدير.
ثم تعرض السورة للصدقات من حيث الصورة في الإعطاء على ضربين فإمام الإعطاء للفقراء علانية وإمام الإعطاء في كتمان، وعلى أية حال فإن الإخفاء أفضل كي يكون في الإعلان أذية للفقراء أو إحراج.
والله جلت قدرته يوصي بالفقراء المحصرين الذين لا يستطيعون السفر والانتشار في الأرض طلبا للرزق، وهذا الصنف من الناس يظل على الاستحياء والمروءة فلا يرتضي الهبوط إلى مذلة السؤال في إلحاف بما يخيل للناظر أن هؤلاء الناس أغنياء لما هم عليه من نزاهة وتعفف.
وفي السورة تنديد مروع بأكلة الربا، أولئك الجشعون الذين يعيشون على السحت والذي لا يقومون من قبورهم إلا كالذي يقوم وقد أصابه مس، والربا من كبائر الذنوب التي أغلظ عليها الإسلام في نكير مزلزل، حتى إن الولاة الذين يلون أمور المسلمين مخولون بتجريد فريق من عساكر المسلمين لمحاربة هؤلاء الأكلة المجرمين، وفي ذلك دلالة جلية تتكشف من خلالها فداحة الربا الذي لا يحتمل في تصور الإسلام أدنى لين أو تساهل.
وتحتوي سورة البقرة على أطول آية في كتاب الله وهي آية الدين، فإذا تداين المسلمون فيما بينهم فقد بات مندوبا أن يكتبا هذا الدين، وذلك من أجل التوثيق ولكي تصان الحقوق صونا فلا يأتي عليها النسيان أو النكران، على أن يشهد كتاب الدين شهيدان من الرجال، فإن لم يكونا رجلين فلا بأس أن يكون ثمة رجل شهيد وامرأتان أخريان تشهدان، وعلى الشاهد أيا كان أي يؤدي الشهادة على وجهها الصحيح وألا يكتم ما أشهد نفسه عليه، فإن كتم فإنه آثم قلبه وجزاؤه في حساب الله مرصود.
ويتحدث آخر السورة عن ربوبية الله الكبرى التي تغطي الكون كله ليكون كل شيء مملوكا له سبحانه غير أن يكون له في ذلك شريك.
ويتحدث كذلك عن أركان الإيمان في عقيدة الإسلام وهي أركان تتحقق في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وشأن المؤمنين المخلصين حيال هذه الأركان ألا يفرقوا بين أحد من رسل الله فلا يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين.
وأخيرا فإن السورة تتضمن إرساء لقاعدة دينية فاصلة تقوم على الموضوعية الكاملة التي تأنف من القسوة أو الحيف وهي أن الله لا يكلف أحدا من الناس إلا في حدود الطاقة والوسع، وأن لكل نفس ما كسبت من الخير وصالح العمل، وأن عليها ما اكتسبت من الإثم والخطيئة.
بيان تفصيلي للسورة
هذه السورة مدنية كلها باستثناء قوله تعالى (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله (فإن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن كما قبل، وقد نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى.
وقيل في سورة البقرة: إنها من أوائل ما نزل من السماء على النبي في المدينة بعد الهجرة، وثمة قول آخر بأنها أول ما نزل من القرآن في المدينة وهي سورة لا جرم أن تكون عظيمة في شأنها وقدرها، عظيمة في مضامينها وما تتدفق به من روائع وأسرار سوف نقف منها على ما أمكن خلال التوضيح المفصل التالي مستعينين بالله مستمدين منه العون والقوة وهو حسبنا ونعم الوكيل.