قوله: {إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون} سوف يأتي على الخلائق الفناء والموت؛ فكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه؛ فهو وحده المتفرد بالملك والبقاء ثم يصير الناس إلى ربهم ليلاقوا جزاءهم المنتظر 23.
قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50) } .
الصديق، بالتشديد، صيغة مبالغة - والمراد فرط الصدق؛ أي اقصص يا محمد ما جاءك في القرآن من خبر خليل الرحمن إبراهيم وخبر أبيه المشرك آزر - وإن إبراهيم (كان صديقا نبيا) كان إبراهيم عظيم الصدق في أقواله وأفعاله، مستقيما في كل أحواله، مصدقا بكل أنباء الغيب من كتب الله ورسله وآياته - وكان نبيا مرسلا من ربه إلى قومه ليدعوهم إلى دين الله الحق ومجانبة الشرك والباطل.
قوله: {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} الإنكار للتوبيخ، أي اذكر إبراهيم حين قال لأبيه آزر مستنكرا: يا أبت كيف تعبد هذه الأصنام التي لا تسمع ولا ترى ولا تدفع عنك أيما ضر أو شر، ولا تؤدي لك أي نفع فإنما تعبد أجسادا خرسا عميا لا تريم - إنما ينبغي أن تعبد الذي خلق هذه الأصنام وخلق كل شيء؛ فهو حقيق بالعبادة والطاعة.
قوله: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتيك فاتبعني أهدك صراطا سويا} بكسر التاء في، أبت - والتاء عوض عن الياء؛ أي قال إبراهيم لأبيه: لقد جاءني من المعرفة وأخبار اليقين وما يكون من أخبار القيامة ما لم تعلمه أنت، فاتبعني في ملتي وفيما أدعوك إليه من ديانة مستقيمة، أدلك إلى طريق الله المستقيم وما فيه لك من خير ونجاة وأمان.
قوله: {يا آبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا} أي لا تطع الشيطان فيما يأمرك به من الشرك والمعاصي - وطاعة الشيطان تعني عبادته فإنما يُعبد الشيطان بمعصية الله ومخالفة دينه وأمره،
والشيطان من جهته شديد العصيان لله.
قوله: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا} يحذر إبراهيم أباه الضال ناصحا له ومشفقا عليه: لئن متّ على الكفر فلسوف يمسك من الله عذاب أليم (فتكون للشيطان وليا) أي تكون بكفرك وعصيانك لله، مواليا للشيطان وقريبا له في النار.