فهرس الكتاب

الصفحة 1459 من 2536

قوله: (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة) الهمزة للتعدية؛ أي اضطرها وألجأها (المخاض إلى جذع النخلة) والمخاض معناه الطلق أو وجع الولادة 14 - و (جذع النخلة) ، أي ساق النخلة اليابسة - وكان ذلك شرقي محرابها الذي تصلي فيه بيت المقدس - وقيل: كان ذلك في قرية بيت لحم، على عدة أميال من بيت المقدس.

قوله: (قالت يا يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) لقد أصابها جزع شديد من شأنها هذا الذي يضيق به المرء ذرعا والذي يستشعر فيه بالغ الكرب والحراجة - وخصوصا في ذلك امرأة طاهرة عابدة فضلى، خير نساء العالمين؛ فقد أحست ببالغ الحزن والحرج فتمنت من أجل ذلك لو ماتت قبل هذا الحدث وكانت (نسيا منسيا) (نسيا) ، بكسر النون وسكون السين - والنسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها - أو هو ما سقط من منازل المرتحلين من محقرات أمتعتهم 15.

قوله تعالى: {فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تقساط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) } الذي ناداها: جبريل عليه السلام - و (من تحتها) من، حرف جر؛ أي من أسفل منها أو من أسفل الوادي - وأن في قوله (ألا) تفسيرية بمعنى أن؛ أي لا تحزني بولادتك (قد جعل ربك تحتك سريا) والسري معناه النهر الصغير أو الجدول، فقد أجراه الله قريبا من مريم لتشرب منه، ولتجد من قدرة الله ما ينشرح به فؤادها ويطمئن.

قوله: {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا} الباء، زائدة، وهي للتأكيد؛ فقد أمرها بهز الجذع ذي اليبس ليكون ذلك آية لها على عظيم قدرة الله وأن الله يفعل ما يريد فلا تضيق ولا تحزن - (تساقط عليك رطبا جنيا) (تساقط) 16 بضم التاء وكسر السين المخففة، فيكون (رطبا) منصوبا على أنه مفعول (تساقط) والرطب، ثمر النخل إذا أدرك ونضج 17، والجني، يعني الطري الطيب.

ويستفاد من الآية وجوب السعي طلبا للرزق سواء كان السعي المبذول كبيرا أم هينا؛ فهذه مريم عليها السلام بذلت من الجهد البسيط في هز النخلة ما يتساقط به الثمر عليها لتأكل وتقيم نفسها؛ فإن المقصود بذل الجهد من أجل الكسب والارتزاق، قل الجهد أو كثر - ولا يقدح ذلك في ضرورة التوكل على الله، وهو ما ينبغي اقترانه بالسعي وطلب الرزق.

أما مجرد التوكل من غير سعي ولا عمل؛ فتلك مخالفة صريحة لمنهج الله وشرعه الحكيم.

قوله: (فكلي واشربي وقرّي عينا) أي كلي من الثمر الجني المستطاب ففيه غذاء نافع، ثم اشربي من السري وهو الجدول ذو الماء العذب الصافي تستقيه هنيئا مريئا - وفي هذين الصنفين من الطعام والشراب ما يتقوى بهما بدن الإنسان ويستقيم وتلك نعمة عظيمة أنعمها الباري جل جلاله على العذراء البتول في هذا المكان المنفرد المعزول الذي لا ماء فيه ولا غذاء ولا عباد - قوله: (وقري عينا) (عينا) منصوب على التمييز؛ أي طيبي نفسا بعيسى المسيح واسكني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت