قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} أي تابوا عن الشرك وخلعوا عن أنفسهم هوى العبودية لغير الله من الأصنام ونحوها - فآمنوا بالله ورسوله - وثمة شرطان آخران مضافان للإيمان بالله ورسوله لتتحقق التوبة الصحيحة فيخلى المسلمون سبيلهم - أولهما: الصلاة - ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصلاة أو سائر الفرائض استحلالا أو جحدا؛ فقد كفر - أما من تركها من غير جحد لها ولا استحلال، بل على سبيل التهاون والتثاقل أو الكسل؛ فإنه يكون فاسقا لكنه يقتل حدا وعقوبة، في قول مالك والشافعي؛ ويقتل كفرا، في قوله أحمد وإن لم يكن جاحدا لها - وقال أبو حنيفة: لا يقتل بل يسجن ويضرب حتى يصلي.
وثانيهما: الزكاة؛ فغنها تؤخذ من ذوي النصاب قسرا إن أبوا، ويقاتلون عليها قتالا إن منعوها؛ فهي اشرف أركان الإسلام وواجباته بعد الشهادة والصلاة لما فيها من منفعة للفقراء والمساكين والمحاويج.
ولهذا اعتمد الصديق (رضي الله عنه) في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية، وعلى غيرها من أدلة السنة - ومنها ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر (رضي الله عنهما) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة) .
قوله: {فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} أي إن تحقق الشرط وهو توبتهم عن الشرك وأداؤهم الصلاة وإيتاؤهم الزكاة؛ فدعوهم يتصرفون في بلادكم ويدخلون البيت الحرام؛ فغن الله يغفر لمن تاب عن الذنوب وأناب إلى ربه بالطاعة وحسن العبادة - ذلكم وأن الله رحيم بعباده يتجاوز عن سيئاتهم وخطيئاتهم، ويسكنهم فسيح جناته، ويغشاهم بفضله ورضوانه 21.
قوله تعالى: {وإن احد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذالك بأنهم قوم لا يعلمون} {أحد} ، فاعل لا مبتدأ، مرفوع بفعل مقدر دل عليه الظاهر - وتقديره: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك؛ لأن (إن) الشرطية تقتضي الفعل 22 - واستجارك أي سألك جوارك، والجوار معناه الأمان والذمام والعهد 23 - وكلام الله يراد به القرآن - فيكون المعنى: إذا استأمنت، أو طلب منك الأمان والذمام أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع منك القرآن عسى أن يعلمه ويتعظ به، فإن آمن به وصدق فحسن، وإن أبي ولم يتعظ مما سمعه منك؛ فرده إلى مأمنه حيث يقيم ويأمن؛ وهو أن يلحق بداره وقومه من المشركين.
على أن ذلك فيمن يأتي المسلمين مبتغيا سماع القرآن والوقوف على منهج الاسلام وتعاليمه - أما الذي يأتي للتجارة أو مصالحه الأخرى فللمسلمين أن ينظروا في إجارته أو عدمها تبعا لما تقتضيه مصلحهم 24.