وفي تعزيز هذا القول وفي عودة المسيح إلى الأرض يقول النبي (ص) فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه:"والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها"ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) وقد ورد مثل ذلك جملة أحاديث متضافرة تؤكد المقصود من الآية."
وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص) :"لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله"لكن أمثال هذا الحديث من حيث التحقيق تظل تحتمل مدلولين - أحدهما أن يكون ذلك في الدنيا وهو أن تتحقق للمسلمين أسباب القوة والمنعة، فتكون لهم الغلبة على اليهود بعد أن تضيق البشرية بهم ذرعا وتعاني من كيدهم البلاء والشقاء.
أما الثاني: فهو أن يكون ذلك أحد أشراط القيامة؛ إذ لا ينطق الحجر إلا بحصول معجزة ولا يتيسر ذلك إلا أن تقوم الساعة حيث الأهوال والخوارق وحيث الانقلاب الكوني الهائل الذي يأتي على الحياة والخلائق جميعا 180.
قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) - الظلم معناه وضع الشيء في غير محله - وعلى ذلك فالظلم يدخل فيه كل ما حرم الله من محظور؛ لأن ذلك إذا مورس لا يكون على النحو المستقيم أو السليم فهو بذلك وضع الشيء في غير محله.
ومعنى الآية أنه بسبب الظلم الذي ارتكبه اليهود فقد ضيق الله عليهم بما حرمه عليهم - وقوله: (هادوا) فعل ماض ومضارعه يهودون - وهاد أو تهود بمعنى تاب وأناب ورجع واسم الفاعل هائد - ونقول الهوادة والمهاودة أي اللين والرفق ويشتق من ذلك كلمة اليهود ومفردها اليهودي - على أن الملاحظ أنه شتان شتان بين المدلول اللغوي لهذه الكلمة والمدلول العرفي والسياسي والواقعي لها - فالمدلول اللغوي المجرد يأتي مبرأ من إيحاءات مشرومة ومنكودة، لكن المدلول الآخر وهو ما ينطق به الواقع المحس فإنه يوحي بالتعس والشؤم ويقطع في غير ما شك بأن يهود فئة عاتية جانفة متمردة - والظلم الذي ارتكبته يهود والذي بموجبه عوقبوا يتضمن آثاما عظيمة علاوة على الذنوب والخطايا المحسوبة على اليهود والتي بيناها سابقا - لكن الظلم هنا يتضمن صدهم عن سبيل الله كثيرا فقد صدوا أنفسهم أولا، ثم صدوا غيرهم عن اتباع الحق الذي تنزلت به الشرائع السماوية وحمله الأنبياء المرسلون - وذلك شأن معهود في اليهود، وقد وقفنا على أخبارهم منذ سالف الزمان، فإنهم قد مردوا على التنكر للحق ومعاداة النبيين والمصلحين، والتصدي لرسالات الله بمختلف الوسائل والأسباب كالقتل والفتنة وبعث الشكوك والشبهات من حول العقيدة الصحيحة وأصحابها من الدعاة إلى الله.