وذلك كله مقتضى قوله سبحانه: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي} أي يفهموا ما أقوله لهم - فلا تبقى لهم بعد ذلك أيما معذرة أو احتجاج - وقد استجاب الله دعاء موسى - إذ شرح صدره لدعوة الحق والنور.
وجعلها له سهلة وميسورة، ومكنه من السعي والعمل في يسر لتبليغها دون تردد أو تثاقل.
27 - (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)
وأزال الرتة التي أصابت لسانه - وقيل: أزيلت الرتة كلها من لسان لقوله تعالى: (قد أوتيت سؤلك) وقيل: لم تزل العقدة كلها بل بقي في لسانه شيء من الاستمساك بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون (ولا يكاد يبين) .
قوله: {واجعل لي وزيرا من أهلي} الوزير، أو الموازر من الوزر؛ أي الثقل - سمي بذلك؛ لأنه يحمل عن السلطان وزره؛ أي ثقله - أو من الموازرة وهي المعاونة 11؛ فقد سأل موسى ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا
(معينا) ويتكلم عنه بما لا يفصح به لسانه
وهو قوله لربه:
{هارون أخي} (هارون) منصوب على البدل من قوله: (وزيرا) وهو اسم غير منصرف للعجمة والتعريف، و (أخي) ، عطف بيان - أو بدل 12 وقيل: نبئ هارون ساعتئذ - وهو قول ابن عباس - وقيل: أنفع أخ لأخيه في الدنيا، موسى حين سأل لأخيه هارون النبوة فاستجاب له ربه.
وخير ما يؤتاه السلطان في حياته الوزير الصالح، يكون له خير معوان في الملمات والنائبات، فينصح له ويشير عليه بما هو أنفع وأصلح - وفي ذلك أخرج البخاري بسنده أن رسول الله (ص) قال:"ما بعث من نبي ولا اتسخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصمه الله".
قوله: {اشدد به أزري} الأزر، القوة، وآزره؛ أي عاونه - فقد دعا ربه أن يشدّ بأخيه هارون أزره؛ أي ظهره - وقد كان هارون أكبر من موسى بسنة وقيل أكثر - وكان أفصح منه لسانا وقد مات قبله بثلاث سنين.
32 - (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)
قوله: {وأشركه في أمري} أي اجعله شريكي في أمر النبوة والرسالة؛ فيكون معي مبلغا لدعوتك ومبشرا بدينك.
33 - (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا)
{كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا} (كثيرا) ، منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف - وتقديره نسبحك تسبيحا كثيرا 13 والمعنى: لكي نعظمك بالتسبيح كثيرا - أو ننزهك عما لا يليق به.
34 - (وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا)
وكذلك نذكرك باللسان وفي القلب ذكرا كثيرا.
35 - (إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا)
{إنك كنت بنا بصيرا} إنك يا ربنا عليم بخفايا الأمور، وأنت عليم بنا وبأحوالنا، فأعنا على حمل هذه الرسالة، ويسر لنا سبيل الدعوة لها 14.
قوله تعالى: قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36) ولقد مننا عليك مرة خرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقدفيه
أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكرى (42) .