قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخدنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون 94 ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذتهم بغتة وهم لا يشعرون} البأساء، يعني شدة الحال وشظف العيش وضيقه - أو المشقة والفقر 140 - والضراء، نقيض السراء - وهي الشدة وكل ما يضر - أو هي النقص في الأموال والأنفس 141 وذلك إخبار من الله عز وعلا عن سنته في الأمم الخالية من قبل هذه الأمة، بأنه ما أرسل في قرية من نبي يقبل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلا أذاق الله لأهلها البؤس والشدة والشطف وضيق العيش وسوء الحال - وذلك لكي يتضرعوا إلى ربهم ويتذللوا له بالعبادة والطاعة وينيبوا إليه بالكف عن الشرك والضلال والباطل، ولكي يصيخوا لدعوة الحق التي جاءهم بها أنبياؤهم - ولا جرم ان البشرية في غالب أحوالها ووقائعها تجنح للفسق والضلالة واقتراف المعاصي؛ استجابة لنداءات الشياطين من الإنس والجن؛ وتخاذلا أمام جواذب الغرائر والشهوات التي تلين حيالها العزائم، وتفتر أمام كابوسها الهمم لتميل بالإنسانية إلى الشر والفساد في الغالب - وبذلك بات من المفيد حقا أن اصطدم البشرية في حياتها بكثير من الأرزاء والنوائب فتهزها من الأعماق هزا، ولتبدد من أعماقها مشاعر الجحود والاستكبار، ولتضعف في كوامنها فرط التذلل والخنوع للأهواء والشهوات عسى أن تزجر وترعوي أو تقشع عن نفسها غشاوة العمه والنسيان، فتفيء إلى أمر الله لتبادر الامتثال لشرعه والسير في طريقه المستقيم وهو مقتضى قوله سبحانه: {لعلهم يضرعون} .
قوله: {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذتهم بغتة وهم لا يشعرون} أي حولنا حال هؤلاء المشركين من شدة إلى رخاء، ومن سقم إلى عافية، ومن فقر إلى سعة ويسر؛ ليشكروا الله على إنعامه وتفضله فما شكروا {حتى عفوا} أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم وقالوا: لقد مسنا من الشدة والضيق والكرب ثم بعده من الرخاء واليسر والنعمة مثل ما أصاب آباءنا السالفين من ضراء وسراء - أي أن هذه أحوال قد أصابت من قبلنا من آبائنا وأسلافنا ونحن لسنا إلا أمثالهم يصيبنا ما أصابهم من الشدة والرخاء - ولم يفطنوا أن ذلك ابتلاء من الله لهم ليتعظوا ويثوبوا إلى محجة الإسلام، وأن يبتهلوا إلى الله بالضراعة والتوبة والإياب، ويعرضوا عن ملة الشرك والباطل؛ فهم على هذه الحال من الضلال والعصيان والاستكبار عن عقيدة التوحيد حتى يأخذهم الله بعقابه الأليم فجأة وهم سادرون في الغفلة والنسيان.